مارون مارون

العملاء الحقيقيون هم مَن يمنعون عودتهم

3 دقائق للقراءة

منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، كُتبت فصول كثيرة عن الحرب والتحرير والانتصارات والهزائم، لكن قلّة فقط توقّفت عند مأساة إنسانية لا تزال مستمرّة حتى اليوم، مأساة الأطفال الذين هربوا مع أهلهم إلى إسرائيل خوفاً من القتل والانتقام، بعد التهديدات العلنية التي أُطلقت آنذاك بحق مَن ارتبط اسمه بـ"جيش لبنان الجنوبي"، أو حتى بمَن عاش في المناطق الخاضعة لسيطرته.

كان هؤلاء الأطفال يحملون حقائب مدرسية لا ملفات أمنية، ويحفظون أسماء قراهم لا خرائط العمالة والخيانة. بعضهم كان في الخامسة أو السابعة أو العاشرة من عمره عندما اضطر إلى مغادرة منزله على عجل، تاركاً خلفه غرفته ومدرسته وذكرياته وأصدقاءه. لم يكن القرار قرارهم، ولم يكن لهم أي دور في الحرب ولا في خيارات الكبار. لكنهم دُفعوا إلى المنفى لأن الخوف كان أكبر من أي شيء آخر.

في تلك الأيام، لم تكن التهديدات مجرّد إشاعات. فقد ساد مناخ من الترهيب والوعيد، وتردّدت عبارات تتوعّد الفارّين بالملاحقة والقتل "في فراشهم" إذا لم يغادروا. وهكذا، عبر مئات اللبنانيين الحدود، لا حباً بوطن بديل، بل هرباً من موت اعتقدوا أنه ينتظرهم. وبين هؤلاء مئات الأطفال الذين وجدوا أنفسهم فجأة غرباء في أرض خارج وطنهم، يتعلّمون لغة جديدة، ويحاولون التكيّف مع مجتمع مختلف، فيما قلوبهم بقيت معلّقة بقرى الجنوب.

مرّت ستة وعشرون عاماً. أولئك الأطفال صاروا اليوم رجالاً ونساءً في الثلاثينيات وما فوق. بعضهم تزوّج وأنجب، وبعضهم لا يزال يحتفظ بمفتاح البيت القديم أو بصورة باهتة لبلدته. لكن رغم مرور كل هذا الزمن، لا تزال أبواب العودة موصدة في وجوههم، ولا يزالون يُعاملون كأنهم متّهمون أبديون، فقط لأنهم ولدوا في عائلات وجدت نفسها في لحظة تاريخية قاسية أمام خيار الهرب أو الموت.

المؤلم أكثر أن مشاريع قوانين العفو والمصالحات المتعاقبة تجاهلتهم، وكأنهم خارج مفهوم العدالة والرحمة والدولة. لا يزال وصف "العمالة" يُلصق بهم جماعياً، من دون أي تمييز بين طفل لم يكن يفقه شيئاً من السياسة. وفي المقابل، يعيش لبنان مفارقة موجعة، فهناك مَن يحمل السلاح خارج الدولة، ويُقرّر الحرب والسلم، ويستجلب الويلات والدمار إلى اللبنانيين، ثم يُقدَّم على أنه مُقاوم أو بطل، فيما يُحرم أبناء الجنوب الذين هربوا خوفاً على حياتهم من حق العودة إلى أرضهم.

أي عدالة هذه التي تُعاقب طفلاً مدى الحياة لأنه رافق أهله في رحلة هروب من الموت؟ وأي وطنٍ هذا الذي يغفر لكل مَن دمّر مؤسساته واقتصاده ومستقبل شبابه، لكنه يرفض أن يفتح الباب أمام أناس يريدون فقط زيارة قبور أهلهم أو رؤية قراهم التي اقتلعوا منها؟

إن قضية هؤلاء ليست قضية سياسة فقط، بل قضية إنسانية وأخلاقية ووطنية. فالأوطان لا تُبنى بالانتقام، ولا تُدار بمنطق الثأر الجماعي. بعد أكثر من ربع قرن، حان الوقت لأن ينظر لبنان إلى هؤلاء كأبنائه، لا كغرباء عنه. حان الوقت لفصل المسؤوليات الفردية عن الأحكام الجماعية، ولإعطاء الذين كانوا أطفالاً حقهم الطبيعي في العودة والانتماء والحياة الكريمة، هذا بالحد الأدنى، لأن المنطق يفرض عودة كل الذين اضطروا للنزوح إلى اسرائيل.

فهؤلاء لم يختاروا المنفى… بل فُرض عليهم. ولم يخونوا وطنهم، بل خسروا وطنهم مرتين، مرة عندما غادروه خوفاً، ومرة عندما أدار ظهره لهم طوال هذه السنوات ولا زال حتّى عند الإنتهاء من دراسة مشروع قانون عفو عام جديد، وفي الحقيقة هو ليس سوى مشروع قهر متمادي وظلم غير مُبرر... والسلام


رئيس دائرة الإعلام الداخلي وعضو المجلس المركزي في حزب "القوات اللبنانية"