بطرس الخوري

محرّر الأمس.. عدو اليوم! فصل في التاريخ ودوران دوائر الأمم

8 دقائق للقراءة

في مسرح التاريخ العجيب، حيث تتبدل الأقنعة وتتداخل الأدوار، تقف مشاهد قليلة بتلك الدراما التي جمعت الفرس بالعبرانيين. إنها حكاية تتقلب خلالها الأيام، فإذا المحرّر الذي فك قيود الأسرى وردّ لهم كرامتهم ودولتهم، يتحول على مر العصور إلى خصم لدود وعدو متربص. قصة توقظ في النفس حسرة وتساؤلاً: كيف ينقلب الحليف إلى خصم؟ وكيف يدور الزمن بأهله دورته القاسية فيُصبح من كان بالأمس رمزاً للخلاص، مثالاً للانتقام؟ إنها قصة تستحق الوقوف عندها طويلاً، فهي ليست مجرد حدث تاريخي غابر، بل مرآة تعكس سنن التغير في العلاقات بين الأمم، وتجسيد حي لتلك الحكمة الخالدة: "كما تدين تُدان"، وكأن دوائر الزمن لا تتوقف عن الدوران.

المأساة البابلية: من ربى القدس إلى أنهار بابل

لكي نفهم جذور الفرحة التي استقبل بها العبرانيون محررهم الفارسي، لا بد أن نعيش لحظة المأساة التي سبقتها. كانت مملكة يهوذا تعيش أوجاعها الأخيرة تحت وطأة الزحف البابلي. في ثلاث غزوات متتالية، كان نبوخذنصر الثاني (605-562 ق.م) يطبق الخناق على أورشليم. تقول مدوّنات التاريخ البابلي نفسه، في تلك الألواح الطينية التي تروي بطولات الملوك: "في السنة السابعة، في شهر كسلو، حشد ملك بابل جيشه وسار إلى أرض حتّى (كنعان)، وضرب حصاراً على مدينة يهوذا، وفي اليوم الثاني من شهر آذار استولى على المدينة وأسر ملكه". كان ذلك في العام 597 ق.م، حيث اقتاد البابليون الملك يهوياكين مع أهله ونبلائه ونحو سبعة آلاف مقاتل وألف من الحدادين والصنّاع إلى أرض الرافدين. ثم جاءت الضربة القاضية عام 587 ق.م، حين دمرت أورشليم وهيكلها، واحترقت بالنيران، وسيق بقية الشعب إلى السبي.

هناك، على ضفاف نهر بابل، جلس العبرانيون يبكون ذكرى صهيون. كانت الحياة قاسية في المنفى، لكنها لم تكن رقاً بالمعنى المصري القديم؛ بل كانت حياة مغتربين "جلسوا على الأنهار وبكوا" كما تصفها مزاميرهم الحزينة. غير أن الأمل كان يختبئ في ثنايا اليأس، وظل العبرانيون يترقبون خلاصاً يأتيهم من حيث لا يحتسبون.

كورُش الفارسي: مسيح منتظر من وحي السياسة

في تلك الأثناء، كانت قوة صاعدة تلملم أشلاء الممالك في الهضبة الإيرانية. الفرس بقيادة كورش الكبير (559-530 ق.م) كانوا يبتلعون الممالك الواحدة تلو الأخرى، ولم يكن أمامهم إلا أعتى خصومهم: الإمبراطورية البابلية. وهنا دخل العبرانيون على خط الأحداث بطريقة مثيرة. تقول بعض الروايات التاريخية إن يهود السبي لعبوا دوراً مهماً في الإعداد النفسي والعسكري لسقوط بابل. لقد وجد اليهود في كورش ضالتهم المنشودة، فارساً قادماً لتحطيم القيد البابلي، فانطلقوا يروّجون لفكرة أنه "المخلّص" المنتظر. وقد وظفوا دهاءهم السياسي والمعرفي لبث دعاية مكثفة بين البابليين بأن كورش هو المحرر الذي سيأتي بأمر الآلهة مردوخ ونبو ليعيد العدل والحرية.

وعندما ضرب كورُش حصاره على بابل سنة 539 ق.م، لم تكن المدينة بحاجة إلى جيش عظيم لفتحها، بل إلى خيانة من الداخل. يحكي المؤرخ اليوناني هيرودوت أن البابليين كانوا يستهزئون بالفرس قائلين: "إن الفرس قادرون على احتلال بابل فقط عندما يلد البغل"، في إشارة إلى استحالة ذلك. لكن الدهر قلَبَ المثل، فقد خانه قائد جيشه أو غيره ممن فتحوا الأبواب لدخول الفرس، وسقطت المدينة العظيمة بيد كورش.

بيان التحرير: أسطوانة كورش ومرسوم العودة

وبمجرد أن دخل كورش بابل، أصدر بيانه الشهير الذي عُرف باسم "أسطوانة كورش"، والتي يعتبرها البعض أول وثيقة لحقوق الإنسان في التاريخ. وفيها لم يكتفِ بإعلان سياسة التسامح الديني، بل خص اليهود باهتمام خاص. فأمر بإطلاق سراح جميع الأسرى والسبايا من جميع الأمم، وكان من بينهم اليهود. وأمر بإعادة بناء هيكلهم في أورشليم، وأعاد إليهم آنية بيت الرب التي كان نبوخذنصر قد نهبها وجعلها في خزائن آلهته. بل إنه تكفل بدفع تكاليف البناء من خزانة الدولة الفارسية!

لم يكن هذا الكرم الفارسي نابعاً من حب في قلوبهم للعبرانيين، بل كان سياسة ذكية لبناء قواعد ولاء في منطقة استراتيجية حساسة على تخوم مصر. وهكذا عاد العبرانيون إلى أورشليم بمواكب الفرح، حاملين معهم وعوداً فارسية بالحماية والدعم. ونشأت في يهودا مقاطعة فارسية صغيرة تحكم نفسها بنفسها تحت السيادة الفارسية، واستمر ذلك قرنين من الزمان.

عندما ينقلب السحر على الساحر: تحول المحرّر إلى عدو

لكن دوائر الزمن لم تتوقف. مرت السنوات، وسقطت الإمبراطورية الفارسية الأولى على يد الإسكندر الأكبر، ثم تعاقبت الممالك الهلنستية والرومانية والبيزنطية. وظل الفرس يحلمون بعودة مجدهم. حتى جاءت الإمبراطورية الساسانية (226-637م) لتعيد إحياء الريادة الفارسية في المنطقة. وهنا تغير المشهد تماماً.

في القرن السابع الميلادي، وفي خضم الصراع المرير بين الفرس والروم البيزنطيين، وجد اليهود أنفسهم في موقف حرج. كان البيزنطيون يحكمون فلسطين، وكانوا يضطهدون اليهود وينكلون بهم. وعندما هاجم الفرس الساسانيون بقيادة كسرى الثاني (590-628م) الدولة البيزنطية السريانية ، تعاون معهم اليهود تعاوناً كبيراً، على أمل أن يعيد لهم الفرس الحرية كما فعل أسلافهم قبل ألف عام! ولكن كانت المفاجأة صادمة.

يقول سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان: "لما ملك كسرى بن هرمز البلاد، وقتل المسيحيين وخرب الكنائس، مشى إليه اليهود وقالوا: هذا البيت المقدس وهذه البلاد كانت لآبائنا، وإنما غلبنا عليها المسيحيين ، فإن رأى الملك أن يسلمها إلينا ويملكنا عليها! فأجابهم إلى ذلك، واستولى اليهود على بيت المقدس وقتلوا من النصارى خلقاً كثيراً". لكن الفرحة لم تكتمل، فقد انقلب الفرس على حلفائهم اليهود بعد فترة قصيرة، وأخرجوهم من القدس وفرضوا عليهم الجزية والذل، كما تذكر بعض المصادر التاريخية. لقد تحول "محرر الأمس" إلى "عدو اليوم" الذي لا يرحم.

التاريخ يعيد نفسه: من التحالف القديم إلى الصراع المعاصر

وإذا تأملنا المشهد اليوم، نجد أن دوائر التاريخ لم تتوقف عن الدوران. فما نشهده الآن من صراع محتدم بين إسرائيل وإيران يحمل في طياته صدى لتلك العلاقة المعقدة التي جمعت الأجداد. فبعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، كانت إيران تحت حكم الشاه من أوثق الحلفاء للدولة العبرية، وامتد التعاون بينهما لعقود في المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية. لكن مع قيام الثورة الإيرانية عام 1979، انقلبت المعادلة رأساً على عقب، ليتحول الحليف الاستراتيجي إلى ألد الأعداء.

واليوم، نرى كيف امتدت جذور الصراع القديم لتغذي العداء الحالي. فخطاب طهران الداعم للقضية الفلسطينية ورفضها الاعتراف بإسرائيل، يقابله تحالف إسرائيلي مع قوى إقليمية أخرى لمواجهة النفوذ الإيراني. وكأن التاريخ يعيد نفسه: فكما تحول المحرر الفارسي القديم إلى عدو لدود، ها هي إيران الثورية ترفع شعار تحرير القدس، بينما تعتبرها إسرائيل التهديد الوجودي الأول.

إن ما يزيد الأمر تعقيداً هو أن الطرفين يستحضران الماضي ليشرعا به الحاضر. فالإسرائيليون لم ينسوا جميل كورش، لكنهم يرون في إيران الحالية امتداداً للعدو الساساني الذي قاتل أسلافهم. والإيرانيون من جهتهم يرون في إسرائيل استمراراً للكيان الذي تحالف مع أعدائهم عبر التاريخ. وهكذا تتداخل الذاكرة التاريخية مع المصالح الجيوسياسية لتخلق صراعاً يبدو بلا نهاية.

كيف تدور دوائر الأمم: سنن التغيير بين التحالف والصراع

في هذه القصة العجيبة تتجلى حكمة التاريخ الخالدة: لا حليف دائم ولا عدو دائم، والمصالح هي التي تبقى. لقد استخدم الفرس اليهود مطية للوصول إلى عرش بابل، ثم تخلوا عنهم عندما لم يعودوا بحاجة إليهم. واستخدم اليهود الفرس مطية للعودة إلى أورشليم، ثم تحالفوا مع أعدائهم لاحقاً أملاً في استعادة المجد، فكانت النكسة. إنها سنة "الغدر المتبادل" التي تمارسها الإمبراطوريات مع أقليات المناطق التي تحتلها.

ولعل الدرس الأعظم في هذه القصة هو أن القوميات الضعيفة التي تراهن على قوى خارجية لتحريرها، غالباً ما تدفع الثمن غالياً عندما تكتشف أن من حررها بالأمس إنما كان يستخدمها، وسيصبح عدوها إذا تغيرت المصالح. والعبرة لمن يعتبر، أن البناء على أرضية صلبة من الإرادة الذاتية والاعتماد على الذات، هو الضمان الوحيد لئلا يتحول المحرر إلى عدو، والحليف إلى خصم.

إن وقوفنا اليوم أمام هذه القصة التاريخية، ونحن نشهد تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، يذكرنا بأن دوائر التاريخ لا تتوقف عن الدوران، وأن الأمم التي لا تتعلم من دروس ماضيها، مقدر عليها أن تعيش مآسيه مراراً وتكراراً. فهل وعى الطرفان الدرس؟ وهل ستتمكن الأجيال الحالية من تجاوز إرث الماضي لبناء مستقبل مختلف؟ تلك أسئلة يتركها التاريخ مفتوحة، بانتظاب إجابة الزمن وحده ... ومن باب النصيحة كان يجب على الفرس زرع اسسس الديمقراطية والوفاق الإجتماعي والتحرر من كل اشكال خنق شعوبها ... لكي تكون قوة وأمة حضارية تساهم في رفد البشرية ودعمها وهي بذاتها قوة لا يستهان بها ....