فؤاد بولس

​هل حولت أوكرانيا قواعد اللعبة في حربها وفي الحرب الإيرانية-الأميركية؟

3 دقائق للقراءة

​لم تكن المعاناة الأوكرانية تحت وطأة المسيّرات الروسية مجرد مأساة إنسانية، بل كانت المحرك الأول لابتكار عسكري قلب الموازين؛ وهو المسيّرات المضادة للمسيّرات. اليوم، لم تعد هذه التقنية مجرد تجربة ميدانية، بل أصبحت الركيزة الأساسية للاستراتيجية الدفاعية الأوكرانية، محققةً قفزة نوعية في مفهوم "حرب المسيّرات".


من "الاصطدام" إلى السيادة الجوية

​في بداية الحرب، كانت المحاولات الأوكرانية بدائية تعتمد على صدم المسيّرات الروسية المهاجمة (خاصة طراز "شاهد" إيرانية الصنع). لكن بحلول شباط 2026، تحول هذا الأسلوب إلى صناعة عسكرية متكاملة استطاعت إسقاط 70% من الأهداف المعادية فوق كييف.


​ التكنولوجيا الأوكرانية: سر التفوق

​تعتمد المنظومة الدفاعية الأوكرانية على تكامل فريد بين السرعة والذكاء، ويمكن تلخيص قوتها في محورين:

• ​مسيّرات "Stich" الاعتراضية: صُممت خصيصاً لتكون أسرع بكثير من مسيّرات "شاهد" البطيئة نسبياً، مما يمنحها القدرة على المناورة والانقضاض الدقيق.

• ​نظام الرصد "I-See": يمثل هذا النظام ثورة في عالم الرادارات؛ فهو لا يرسل إشارات تنتظر الارتداد (مما يسهل كشفه أو التشويش عليه)، بل يعتمد على الاستشعار البصري والحراري.

• ​يرتبط النظام بذكاء اصطناعي يحلل الأهداف ويميّز بين الطائرات والمسيّرات بدقة متناهية.

• ​بمجرد تحديد الخطر، يطلق الذكاء الاصطناعي "المسيّرة الاعتراضية" (Interceptor Drone) لتدمير الهدف.


من "التهكم" إلى الحاجة الملحّة

​تحمل هذه التطورات مفارقة سياسية لافتة. ففي شباط ٢٠٢٥، شهد اللقاء الشهير بين الرئيسين الأمريكي والأوكراني "تهكماً" من الرئيس ترامب الذي قال لزيلنسكي: "إنك لا تملك أي أوراق".

​إلا أنه بعد عام واحد فقط، وجد الغرب نفسه في حاجة ماسة للخبرة الأوكرانية. فالولايات المتحدة وأوروبا، اللتان تعانيان من التكلفة الباهظة للتعامل مع المسيّرات الرخيصة باستخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الكلفة، أبدتا اهتماماً بالغاً باقتراح زيلنسكي لمشاركة هذه التقنية. لقد امتلكت أوكرانيا "الورقة الرابحة" التي تفتقر إليها القوى العظمى.


​صناعة المسيّرات: أوكرانيا تتصدر السباق العالمي

​تظهر الإحصائيات الحالية فجوة هائلة في القدرات الإنتاجية للمسيّرات، حيث تفوقت أوكرانيا بفضل الابتكار السريع:

الدولة القدرة الإنتاجية السنوية (مسيّرات)

أوكرانيا 7 - 8 ملايين

روسيا 1.5 - 2 مليون

إيران 100 ألف (منها 2400-6000 طراز شاهد)

الولايات المتحدة خلف أوكرانيا وروسيا (أرقام غير محددة)

فرنسا وبريطانيا بضعة آلاف فقط


المارد الأوكراني يستعيد إرثه

​قد ينسى الكثيرون أن العمود الفقري للصناعات النووية والصاروخية في العهد السوفياتي كان نتاج الخبرات الأوكرانية وليس الروسية. اليوم، يعيد التاريخ نفسه؛ ففي ظل أقسى الظروف، أثبت "المارد الأوكراني" قدرته على الإبداع من جديد، محولاً بلاده من متلقٍ للمساعدات إلى مصدر رئيسي لإحدى أهم التكنولوجيا الدفاعية في القرن الحادي والعشرين.