استيقظ سكان طهران صباح أمس في ظلام دامس وكأن الليل مدّد لنفسه بعدما لفّ دخان أسود كثيف العاصمة الإيرانية إثر قصف إسرائيل مخازن نفط. يُدرك الإيرانيون أنهم لن يتخلّصوا من الظلام الحالك الذي يُلاحقهم منذ 47 عامًا، ما دام نظام الملالي ممسكًا بمقاليد الحكم في البلاد. ومع استعار حدّة القتال في اليوم التاسع من الهجوم الأميركي - الإسرائيلي ضدّ إيران أمس، حسم "مجلس خبراء القيادة" المخوّل انتخاب مرشد جديد للجمهورية الإسلامية المتداعية، مسألة الخلافة في أعلى هرم النظام، باختياره مجتبى خامنئي، وهو رجل دين متوسّط الرتبة ذو صلات وثيقة بـ "الحرس الثوري"، مرشدًا جديدًا خلفًا لوالده المقتول علي خامنئي، داعيًا الشعب الإيراني إلى الحفاظ على الوحدة ومبايعة المرشد الجديد، في تحدّ لـ "الفيتو" الذي وضعه عليه الرئيس ترامب، فيما كانت القيادة الموَقتة للبلاد تبدو منقسمة على نفسها، فرغم إعلان الرئيس الإيراني السبت اعتذار بلاده من دول الخليج العربية على استهدافها، خرج غلاة المحافظين بردود غاضبة لاحقة نسفت مضمون تصريحاته، ما دفعه إلى تعديل موقفه وسط استمرار الاعتداءات الإيرانية على تلك الدول.
تحاول طهران تحسين وضعيّتها على صعيد القيادة لإدارة الحرب بطريقة أفضل، إلّا أن ترامب كان قد حذر في وقت سابق من أن أي مرشد جديد لإيران "لن يبقى طويلًا" إذا لم يحصل أولًا على موافقة بلاده. وعندما سُئل إذا كان مستعدًا للموافقة على شخص لديه صلات بالنظام، أجاب: "نعم، من أجل اختيار قائد جيّد سأفعل ذلك، هناك العديد من الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا مؤهّلين". واعتبر أن الإيرانيين أضحوا "نمرًا من ورق"، لكنهم "لم يكونوا نمرًا من ورق قبل أسبوع"، إذ كانوا يخطّطون لمهاجمة "الشرق الأوسط بأكمله والسيطرة عليه بالكامل". ولم يستبعد إرسال قوات خاصة للاستيلاء على اليورانيوم المخصّب في إيران، حاسمًا أن "كلّ شيء مطروح على الطاولة"، بعدما أفادت تقارير صحافية بأن أميركا وإسرائيل ناقشتا إرسال قوات خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب بعد الحرب.
وأوضح ترامب أنه "نظريًا، إذا كانت لدينا سيطرة مادية على تلك المواقع التي يوجد فيها اليورانيوم، فيمكننا إرسال رجالنا إلى هناك وتخفيف درجة تخصيبه في الموقع". ورفض التنبؤ بمدّة الحرب عندما سُئل عن جدول زمنيّ لها، مؤكدًا أن "كلّ ما يمكنني قوله هو إننا متقدّمون على الجدول الزمني، سواء من حيث الفتك أو من حيث الوقت". وتحدّث عن تدمير 44 سفينة إيرانية، أي "كامل أسطولهم البحري"، وكامل سلاحهم الجوي، وكافة اتصالاتهم وشبكاتهم للاتصالات، وأنظمة الدفاع الجوي لديهم، ساخرًا أنه "لا يملكون أي دفاع على الإطلاق، كلّ ما لديهم هو الكلام". وأجرى الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد اتصالًا هاتفيًا مع ترامب، بحثا خلاله التطوّرات الإقليمية وتداعياتها، وتبادلا وجهات النظر في شأنها، وفق "وام".
في المقابل، طالب وزير الخارجية الإيراني، ترامب، بالاعتذار عن شن الحرب، زاعمًا بأن بلاده تستهدف القواعد الأميركية في الخليج لأن الصواريخ الإيرانية غير قادرة على بلوغ أراضي أميركا. وحسم أن طهران "لا تسمح لأحد بالتدخل" في شؤونها الداخلية، مشدّدًا على أن "الأمر يعود للشعب الإيراني في انتخاب قائدهم الجديد". ورفع رئيس البرلمان الإيراني سقف التحدّي، مؤكدًا أن طهران لا تسعى إلى وقف للنار، واعتبر أن "المعتدين" يجب أن يعاقبوا، متوعّدًا بأنه "إذا هاجمنا العدو انطلاقًا من أي دولة، فإن طهران ستردّ بحزم".
توازيًا، أصدرت القيادة المركزية الأميركية تحذيرًا أمنيًا للمدنيين في إيران، موضحة أن النظام الإيراني يستخدم مناطق مدنية مكتظة بالسكان لتنفيذ عمليات عسكرية، بما في ذلك إطلاق مسيّرات هجومية أحادية الاتجاه وصواريخ باليستية. وحضّت المدنيين في إيران على البقاء في منازلهم. ونقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤول عسكري أميركي رفيع قوله إن القوات الأميركية استهدفت أمس مجموعة واسعة من الأهداف العسكرية، شملت مواقع مرتبطة بـ "الحرس"، إضافة إلى الصواريخ ومنصّات إطلاقها وما تبقى من أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية. بالتزامن، توفي عسكري أميركي ليل السبت متأثرًا بجروحه التي أصيب بها في هجوم على القوات الأميركية في السعودية في الأوّل من الحالي، ما يرفع عدد الجنود الأميركيين القتلى إلى سبعة.
واستهدف الجيش الإسرائيلي مقرّ قيادة سلاح الجو التابع لـ "الحرس الثوري"، وهو مركز القيادة والسيطرة الرئيسي المستخدم لتوجيه أنشطة سلاح الجوّ لدى النظام. كما استهدف و "فكّك" مقرّ القوّة الجوفضائية التابعة لـ "الحرس" في طهران، الذي يعتبر "مركز استقبال وبث وأبحاث لوكالة الفضاء الإيرانية المرتبطة بجيش النظام"، والذي يضمّ منشآت أبحاث، إضافة إلى مركز للقيادة والسيطرة لقمر "خيّام" الاصطناعي الذي استُخدم "لمراقبة دولة إسرائيل وسكّانها". واستهدف مواقع أخرى في طهران، بما في ذلك نحو 50 مخبأ حيث تُخزّن الذخيرة، ومجمّعًا تابعًا لقوات "الحرس" البرية، وقاعدة تابعة لـ "الباسيج". ورأى رئيس الأركان الإسرائيلي أن الحرب ضدّ إيران قد تتطلّب "الكثير من الوقت"، في حين أصيب ستة أشخاص على الأقل بجروح بعد سقوط شظايا صواريخ إيرانية على وسط إسرائيل.
وأكمل الجيش الإسرائيلي موجة جديدة من الضربات ضدّ إيران، أُلقي خلالها عدد كبير من الذخائر على أكثر من 400 هدف من البنية التحتية العسكرية، بما في ذلك منصّات إطلاق الصواريخ الباليستية ومواقع إضافية لإنتاج الأسلحة. ونفذ منذ بدء الحرب نحو 190 طلعة هجومية استهدفت منصّات إطلاق الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي ومرافق تخزين الأسلحة وغيرها في إيران. واغتال الجيش الإسرائيلي في قلب طهران السبت "أبو القاسم بابائيان"، الذي عُيّن رئيسًا للمكتب العسكري المرتقب للمرشد الجديد بعد مقتل سلفه، كما تولّى رئاسة أركان قيادة مقرّ الطوارئ بعدما قُتل سلفه في المنصب خلال "حرب الـ 12 يومًا".
ومع تزايد المخاوف المتعلّقة بالطاقة، أكد وزير الطاقة الأميركي أن بلاده لا تخطّط لاستهداف صناعة النفط الإيرانية أو مواقع أخرى للبنية التحتية للطاقة، لكن إسرائيل لم تُظهر الموقف نفسه. وأقرّ بوجود "تأثيرات على جودة الهواء" نتيجة الضربات الإسرائيلية على مواقع تخزين النفط في إيران، لكنه اعتبر أن "بضعة أيام من تدهور جودة الهواء في طهران" لا تقارن بما عاناه الشعب الإيراني تحت حكم النظام. وطمأن أن ارتفاع أسعار البنزين لن يستمرّ لأشهر، بل لأسابيع، فيما حذر "الحرس الثوري" من أن استمرار الهجمات على البنية التحتية للطاقة في إيران سيقابله ردّ مماثل في المنطقة.
في الأثناء، سيصل خبراء أوكرانيون في المسيّرات إلى الشرق الأوسط قريبًا للمساعدة في التصدّي للمسيّرات الإيرانية. وناقش رئيس الوزراء البريطاني هاتفيًا مع ترامب "التعاون العسكري بين بريطانيا وأميركا من خلال استخدام قواعد سلاح الجو الملكي لدعم الجهود الجماعية للدفاع عن النفس بالنسبة إلى الشركاء في المنطقة". ونجحت القوات البريطانية في التعامل مع مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه أُطلقت من إيران في اتجاه العراق ليل السبت - الأحد، بينما واصلت مقاتلات "تايفون" ومقاتلات "أف 35" بريطانية تنفيذ طلعات دفاعية في أنحاء المنطقة. ومن المقرّر وصول مروحية "ميرلين" البريطانية إلى مسرح العمليات، ما سيعزز قدرات بريطانيا على رصد التهديدات الجوية.
ويزور الرئيس الفرنسي ماكرون قبرص اليوم للتعبير عن "التضامن" مع الجزيرة وتقديم تفاصيل عن الخطوات الرامية "لتعزيز الأمن حول قبرص وفي شرق المتوسط". وأجرى ماكرون محادثات هاتفية مع نظيريه الأميركي والإيراني، حيث شدّد الرئيس الفرنسي لنظيره الإيراني على ضرورة أن توقف إيران فورًا ضرباتها ضدّ دول المنطقة، وأن تضمن حرية الملاحة من خلال وضع حدّ للإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
إلى ذلك، كشفت الشرطة النرويجية أن السفارة الأميركية في أوسلو تعرّضت لانفجار، ما تسبّب في أضرار طفيفة لمدخل القسم القنصلي من دون وقوع إصابات، في هجوم رجّحت أن يكون متعمّدًا ومرتبطًا بالحرب ضدّ النظام الإيراني، مشيرة إلى احتمال أن يكون الانفجار عملًا إرهابيًا. وأكدت واشنطن أنها على علم بوقوع حادث في أوسلو وتجري تحقيقًا في شأنه. بالتوازي، كان لافتًا ما أعلنته شرطة نيويورك أمس أن القنبلة الحارقة التي ألقاها متطرّفون إسلاميون قرب تظاهرة يمينية حصلت السبت أمام مقرّ رئيس بلدية المدينة، كانت عبوة ناسفة بدائية ومحلّية الصنع، و "كان يمكن أن تتسبّب في إصابات خطرة أو وفيات". ويحقق قسم مكافحة الإرهاب في "أف بي آي" في الحادث بالتعاون مع شرطة نيويورك، التي أشارت إلى عدم وجود مؤشر راهنًا على أن للحادث علاقة بالحرب في الشرق الأوسط.