نبيل يوسف

من حلقات الصراع العربي – الإسرائيلي

خلية إسرائيلية في طرابلس لاغتيال سعيد السبع

10 دقائق للقراءة
ياسر عرفات وسعيد السبع في طرابلس

لم يكن الإنزال الإسرائيلي في النبي شيت البقاعية، هو الأوّل للجيش الإسرائيلي، فقد حفل تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي بعمليات عدّة متبادلة، كان الهدف منها اغتيال أو خطف قياديّ أو مسؤول، ومن تلك العمليات غير المعروفة كثيرًا، محاولة اغتيال القيادي الفلسطيني سعيد السبع المعروف بـ "أبو باسل" في طرابلس من قِبل الموساد الإسرائيلي.


من هو "أبو باسل"؟

هو سعيد نمر محمد السبع، ضابط وسياسي فلسطينيّ والده كان رئيس بلدية قلقيلية التي ولد فيها سنة 1926.

بدأ نشاطه باكرًا في مواجهة "المنظمات الصهيونية"، فأسّس في مدينته منظمة "الفتوة والنجادة" وعيّنه القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني والد فيصل الحسيني مسؤولًا عن "الجهاد المقدس" في منطقة قلقيلية، وأرسله عام 1946 مع الدكتور داود الحسيني إلى شمال أفريقيا لشراء السلاح من مخلّفات الحرب العالمية الثانية.

شارك في حرب 1948، وبعد إعلان وقف إطلاق النار، التحق بالجيش الأردني وكان ضمن مجموعة الضباط الذين شكّلوا تنظيمًا سريًا قام بحركة 1 آذار 1956 "لتحرير قرار الجيش من الجنرال غلوب باشا وإلغاء المعاهدة الأردنية – البريطانية"، وعلى أثر الاحتجاجات التي شهدها الأردن عام 1957 اتهم بالمشاركة بمحاولة الانقلاب على النظام الملكي، فحكم عليه بالإعدام وكان لجأ إلى سوريا، ومنها إلى مصر ليعود عام 1965 إلى الأردن بعد إصدار الملك الحسين عفوًا عامًا شمل الضباط الأحرار الأردنيين.

كان من مؤسّسي منظمة التحرير الفلسطينية مع عدّة قياديين فلسطينيين، من بينهم ابن خاله وليد أحمد نمر النصر "أبو علي إياد"، وابن خالته فاروق القدومي "أبو اللطف"، وبعد استقلال الجزائر كان أوّل ممثل للمنظمة فيها، وعاد وعيّن أوّل ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في السودان حتى بداية 1969، حين انتقل إلى لبنان، وعيّن مديرًا لدائرة التنظيم الشعبي في منظمة التحرير نائبًا لفاروق القدومي، حيث أسهم في عمليات ضد إسرائيل، من أبرزها التخطيط وقيادة عملية خطف الجندي الإسرائيلي شومئيل روزن فايزر من حدود جنوب لبنان في 1 كانون الثاني 1970 ونقله إلى حلب، ولاحقًا جرت عملية تبادل أسرى أطلقت خلالها إسرائيل محمود بكر حجازي، أوّل أسير فلسطيني لديها اتهمته بالمشاركة في التخطيط لعملية ميونخ التي تمّ فيها احتجاز رهائن إسرائيليين أثناء دورة الأولمبياد الصيفية المقامة في ألمانيا الغربية، في أيلول 1972 ووضعت اسمه على لائحة الاغتيال.


محاولة اغتياله

أرسل "أبو باسل" مطلع 1972 بصفته رئيس المجلس الأعلى لرعاية الشباب الفلسطيني، رسالتين إلى اللجنة الأولمبية الدولية، يطلب فيها مشاركة وفد فلسطين في بطولة الألعاب الأولمبية في ميونخ فرفض الطلب، كما رفضت ألمانيا الغربية إعطاء أي فلسطيني تأشيرة دخول لحضور الألعاب، وكانت العملية الشهيرة.

بعد فترة على تنفيذ عملية فردان فجر 10 نيسان 1973 التي قُتل فيها القادة أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان، وصلت إلى طرابلس حيث يقيم سعيد السبع مجموعة من "الموساد"، يقودها مايك هراري رئيس وحدة "كيدون" الإسرائيلية، وأقاموا في شقق استأجرها لهم متعاونون محليون بالقرب من منزل "أبو باسل" في شارع الثقافة: لماذا كان سعيد السبع يقيم في طرابلس؟

تزوّج "أبو باسل" من نجوى المرعبي ابنة عمّة النائب طلال المرعبي، وسكن في شقة في شارع الثقافة.


كيف اكتشفت خيوط العملية؟

تقول الرواية الفلسطينية: كان "أبو باسل" ضابط مخابرات وحذرًا جدًا في تنقلاته، فشاهد أكثر من مرة أحد الأشخاص يقف على شرفة منزل مقابل منزله، وفي إحدى المرّات لمحه من داخل منزله وكانت معه كاميرا تصوير، فطلب من مرافقيه الاستفسار عمّن يكون؟ فتبيّن أنه ألماني يدعى أورلخ لوسبرغ: ظهر لاحقًا أنه إسرائيلي يدعى داني ياتوم، دخل لبنان بجواز سفر من ألمانيا الغربية.

بدأوا مراقبته إلى أن شوهد يدخل استوديو تصوير في شارع عزمي اسمه "رينوار للتصوير"، بعد مغادرته دخل إليه من كان يراقبه، وسأل صاحب الاستوديو عنه وما جاء يفعل؟ فأخبرهم أنه ألماني معه فيلم للتظهير.

بعد تحميض الفيلم لم يظهر فيه أي شيء غير عادي، ولكن شوهد في الاستوديو، مغلف لصور لشارع الثقافة ومنازله: تمّ سؤال صاحب الاستوديو عن صاحب الفيلم؟ فردّ أنه مهندس اسكتلندي يدعى جيمس بول.

أرسلت نسخ من الصور إلى أبو حسن سلامة، وضابط الشعبة الثانية في الشمال ألبير سماحة. ولضابط الشعبة الثانية في طرابلس الرائد جان القاصوف رواية أخرى تقول إنه كان يعمل في استوديو "رينوار للتصوير" شاب طرابلسي يدعى بلال جباخنجي كان متعاونًا مع الشعبة الثانية، لفتت نظره الصور عند تحميضها وكانت ملتقطة لشارع الثقافة ومداخل بنايات ومداخل شقق، فقام بتظهير نسخة ثانية من الفيلم سلّمها للشعبة الثانية، وبحسب القاصوف من أحضر الفيلم إلى الاستوديو كانت جميلة معتوق، وتبين لاحقًا أن معظم الصور التقطت من منزل المهندس الاسكتلندي جيمس بول.

يضيف القاصوف: بدأ البحث عن سر هذا الفيلم؟ ليتبيّن أن جميع الصور تحوم حول منزل سعيد السبع والطرق الموصلة إليه ومن بين الصور باب المنزل.

بدأ جرد سكان المنازل المحيطة بمنزل سعيد السبع ليظهر أن الألماني أورلخ لوسبرغ يقيم في شقة أهل جميلة معتوق، كيف وصل لوسبرغ إلى شقة آل معتوق؟

كانت جميلة معتوق تدرس في الجامعة اللبنانية في بيروت، والتقت لوسبرغ وربطتهما صداقة تحوّلت إلى حبّ، وراح يتردّد إلى منزلها في طرابلس بهدف الزواج ووقتها كان خطيبها.

يقول الرائد جان القاصوف: كانت جميلة "طعمًا" للدخول إلى طرابلس، وثبت في التحقيق أنها لم تكن تعرف حقيقة هوية لوسبرغ.

واكتشفت شقة في البناء الذي يقيم فيه سعيد السبع، تقع في الطابق السابع مباشرة بعد الطابق الذي يسكنه استأجرتها سيدة تحمل جواز سفر بريطانيًا، تدعى سلفيا روفائيل، ومعها بريطانيان يعملان في مصفاة تكرير النفط في البداوي IPC، وشقة أخرى تبعد حوالى 50 مترًا من شقة أورلخ لوسبرغ يقيم فيها اسكتلندي يدعى جيمس بول، ظهر خلال مراقبته أنه كان يحوم حول منزل سعيد السبع: تبيّن لاحقًا أن اسمه الحقيقي دافيد كمحي من أفراد المجموعة، ومن هذه الشقة تم تصوير معظم صور منزل سعيد السبع وتحركاته وزوّاره.

كما هناك شقة أخرى تقع مباشرة في الطابق السادس فوق منزل أهل جميلة معتوق، استأجرها قس أميركي يدعى روبرت مالوي، تبيّن أن اسمه الحقيقي مايك هراري أيضًا كان يتمّ التصوير منها.

في لحظة ما، يبدو أن الوحدة الإسرائيلية، تبلّغت أنها انكشفت، فهربت المجموعة عبر مطار بيروت في 20 حزيران 1973 ما عدا أورلخ لوسبرغ، الذي فقد الاتصال به.


كيف علمت المجموعة الإسرائيلية باكتشاف أمرها؟

بعد البحث، تبيّن أن أبو حسن سلامة أطلع مسؤول محطة المخابرات المركزية الأميركية في بيروت روبرت أيمز على الموضوع، محذرًا من تداعيات أي عملية، تستهدف سعيد السبع، فتمّ إبلاغ المجموعة أنها انكشفت.


ماذا حصل مع أورلخ لوسبرغ؟

في 10 تموز 1973، وصل إلى مندوبي الصحف في طرابلس، بيان يحمل اسم "منظمة ميونخ 72 الفدائية" يتبنى خطف أورلخ لوسبرغ ردًا على الموقف السلبي لحكومة ألمانيا الغربية من الفلسطينيين الذين اعتقلتهم بعد عملية ميونخ.


كيف حصلت عملية خطف لوسبرغ؟

دخل لوسبرغ مقهى "التوب Top" في طرابلس، فتبعه 3 مسلحين يغطون وجوههم بالكوفية الفلسطينية وأطلق أحدهم 3 عيارات نارية واقتادوه، وعلى الفور استنفرت الأجهزة الأمنية وتمّ استدعاء قائد درك المدينة العميد عصام أبو زكي لمقابلة الرئيس فرنجية، الذي أبلغه أن سفير ألمانيا الغربية والتر نوفاك زاره وأخبره، أن أورلخ لوسبرغ دبلوماسي ألماني، وأصرَّ على معرفة مصيره في أسرع وقت ممكن.

تكثفت التحريات، فتبيّن أن هناك شيئًا ما غير واقعي في عملية الخطف إلى أن وصلت بعض الخيوط إلى طرابلس، مع شخص يدعى أحمد رسلاني، من أن هناك معلومات مع شخص يدعى عبد العزيز غزاوي قد تفيد التحقيق.

أطلع رسلاني العميد أبو زكي على معلوماته، فتمّ نصب كمين للغزاوي وهو خارج من سينما المتروبول واقتيد إلى قيادة درك المدينة، وفور وصوله اعترف بكل شيء وأخبر بالتفصيل ما جرى وممّا رواه: أن أورلخ لوسبرغ بعد مغادرته بيت آل معتوق، استأجر غرفة في أوتيل قصر المنتزه في طرابلس وطلب منه تنفيذ عملية الخطف، وأعطاه مبلغ 50 ألف ليرة، كان هذا المبلغ يومها ثروة، وأنه حضر إلى "مقهى التوب" ومعه حسن توفيق الحسن وحميد بطرس فرح واختطفوه ونقلوه إلى منزل استأجروه في بلدة حقل العزيمة في الضنية، وهو متواجد فيه حاليًا، وهو من وزع البيان بناءً لطلب لوسبرغ.

توضحت الصورة وأصبح المطلوب اعتقال لوسبرغ، وكان هناك تشديد ألّا يصيبه أي مكروه خلال اعتقاله، فتوجّه العميد عصام أبو زكي ومعاونه سمير أبو جوده على رأس قوة ودخلوا المنزل واعتقلوه بعد أن حاول مقاومتهم، لكنهم كانوا أسرع منه فقيّدوه، كما تمّ توقيف 20 لبنانيًا تعاونوا معه، وتمّت مداهمة غرفته في أوتيل "قصر المنتزه" الذي كان وصله يوم مغادرة باقي أفراد المجموعة وصودرت منها ملفات وصور ومبالغ مالية.

خلال استجواب الغزاوي، توضحت أيضًا محاولة اغتيال جول مسعد قنصل ألمانيا الغربية الفخري في طرابلس، فشرح أن لوسبرغ طلب منه تأمين قتلة مأجورين لقتل القنصل وتحميل الفلسطينيين المسؤولية، ردًا على عملية ميونخ، فكلّف الغزاوي قاتلًا مأجورًا تنفيذ العملية.

طرق القاتل باب شقة القنصل في شارع الجميزات في طرابلس، فسألته زوجة القنصل عمن يكون وماذا يريد؟ ردّ أنه قادم للحديث مع القنصل عن معاملة تخصّه، وكان جوابها أنه نائم حاليًا.

وكانت نظرت من منظار الباب فشاهدته يلبس الكوفية الفلسطينية ورغم إصراره، لم تفتح له الباب فغادر، وعادت وأخبرت زوجها الذي أبلغ القوى الأمنية بما حصل.

أحيل لوسبرغ إلى المحكمة العسكرية واستجوبه المحقق العسكري الياس عساف، واعترف بأنه كان يراقب منزل سعيد السبع إضافة إلى أنه التقط صورًا لقصر كمال جنبلاط في المختارة ومنزل طوني فرنجية في إهدن ومنزل وديع حداد في بيروت، وبمحاولة قتل قنصل ألمانيا الغربية في طرابلس. وعن عملية خطفه اعترف بأن كلّ ما جرى كان بتخطيط منه لاتهام سعيد السبع، بخطف سائح ألماني ردًّا على موقف حكومة ألمانيا الغربية السلبي، من المشاركين في عملية ميونخ، والإيقاع بين الدولة اللبنانية و "منظمة التحرير" في لبنان ومحاولة تجديد المعارك، التي اندلعت بين الدولة والفدائيين في شهر أيار، وفي ما خص اللبنانيين الذين تعاونوا معه، تأكد أنهم ما كانوا يعرفون هويته الحقيقية، وساعدوه طمعًا بمكسب مالي، فسقطت عنهم تهمة التعامل مع العدو.

تدخلات كثيرة لا سيّما من سفارات ألمانيا الغربية والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، أدّت إلى إقفال ملف أورلخ لوسبرغ ومغادرته لبنان ليظهر لاحقًا في إسرائيل، تحت اسم داني ياتوم، الذي شغل عدة مناصب أمنية، منها المستشار الأمني لرئيس الوزراء اسحاق رابين ومدير جهاز "الموساد" من 1994 إلى 1997 واستقال بعد فشل عملية اغتيال خالد مشعل.

أمّا سعيد السبع، فبقي في طرابلس حتى وقع الخلاف بينه وبين ياسر عرفات صيف 1973، فاستقال من "منظمة التحرير الفلسطينية" وغادر إلى سوريا وعاد وتنقل ما بين العراق والإمارات العربية وليبيا، وأواخر 1978 توفيت ابنته لينا وكانت تبلغ من العمر 17 سنة، فعاد إلى طرابلس لتشييعها وقصده معظم قادة ومسؤولي "منظمة التحرير" وبوساطة من "أبو اياد" تصالح مع ياسر عرفات وتم تعيينه عضوًا في مجلس التخطيط الأعلى للمنظمة، وبقي في طرابلس بعد مغادرة ياسر عرفات ومنظمة التحرير سنة 1983، وتنقل بعد إصابته بمرض السرطان ما بين طرابلس وعمان للعلاج إلى أن توفي في العاصمة الأردنية في 30 حزيران 1995.

وحتى اليوم لا تزال إسرائيل تتكتم على تفاصيل هذه العملية وهي واحدة من عشرات العمليات التي حفل بها الصراع العربي – الإسرائيلي.