مايز عبيد

نفايات طرابلس وأزمة متنقّلة بين المناطق

3 دقائق للقراءة
تكدّس النفايات في شوارع طرابلس 

طرابلس على موعد مع أزمة نفايات حادة ومشهد تراكم النفايات في الشوارع يُستعاد، في ظل غياب حلّ سريع ونهائي لملف بات يتحول إلى أزمة متنقلة بين المناطق. وفي وقت تبحث فيه المدينة عن مخرج، فجّر رئيس اتحاد بلديات الفيحاء وائل زمرلي سجالا واسعًا، بعدما أقرّ بأن معمل الفرز في طرابلس لم يعد صالحًا للعمل، أو بالأحرى "سُرق"، وأن العمل جارٍ على إعداد دراسة جديدة لإنشاء معمل فرز، إلا أن إنجاز المشروع يحتاج، بحسب ما طرحه، إلى ما بين سنة ونصف وسنتين.


مطمر سرار

والآن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين ستذهب نفايات طرابلس خلال هذه الفترة؟ جواب زمرلي كان واضحًا: لا بديل عن مطمر سرار في عكار، باعتباره الخيار المتاح أمام نفايات المدينة إلى حين إنجاز معمل الفرز الجديد. هذا الكلام أثار زوبعة من الانتقادات والجدل على الساحتين الطرابلسية والعكارية، ولا سيما في عكار التي تواجه منذ سنوات تداعيات ملف مكب سرار، وسط اعتراضات شعبية وبلدية متكررة على تحويل المنطقة إلى وجهة دائمة لنفايات مناطق أخرى.


دير عمار

في المقابل، يروّج رئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة لإمكان إرسال نفايات المدينة إلى دير عمار، وكأنه توزيع أدوار بين زمرلي وكريمة، لرمي المشكلة في غير مكان، من دون الاعتراف لعدم وجود خطة لديهما لإنهاء هذه الأزمة. لكن هذا الطرح يصطدم بدوره باعتراض واسع في دير عمار، حيث يرفض الأهالي استقبال نفايات من خارج البلدة، ما يجعل الأزمة تنتقل من عكار إلى منطقة أخرى من دون أن تجد طريقها إلى الحل.

بالمقابل، يبدو واضحًا أن كلًّا من زمرلي وكريمة، ومن خلفهما بلدية طرابلس وبلديات اتحاد الفيحاء، لا يملكون حتى الآن حلًّا متكاملا أو تصوّرًا واضحًا لمعالجة الملف، باستثناء البحث عن مطمر أو مكب جديد. وكل ما يجري لا يعدو كونه تأجيلا للأزمة أو نقلا لها من مكان إلى آخر، لتصبح النفايات "أزمة متنقلة" بين المناطق، فيما تبقى جذور المشكلة من دون معالجة.

المفارقة أن اتحاد بلديات الفيحاء، بكل إمكاناته، لا يبدو أنه يملك رؤية واضحة ومستدامة لإدارة النفايات، علمًا أن رئيسه وائل زمرلي كان، قبل توليه المسؤولية، من أكثر المنظّرين للحلول في هذا الملف، وسبق أن طرح أفكارًا وانتقادات واسعة حول كيفية معالجة أزمة النفايات في وجه البلديات السابقة. أما اليوم، ومع وصوله إلى موقع القرار، فإن الحل المطروح لا يتجاوز عمليًّا البحث عن مكان آخر لرمي النفايات خلال فترة انتظار معمل جديد.

وهنا تكمن المفارقة الأكبر: المشكلة ليست في غياب الأراضي فقط، بل في غياب الرؤية. فالحلول المستدامة تبدأ من الفرز من المصدر، وتقليص حجم النفايات، وإعادة التدوير، والمعالجة والاستفادة من النفايات، وصولا إلى خيارات علمية تحد من الحاجة إلى المطامر. أما نقل النفايات بالشاحنات من منطقة إلى أخرى، فلا ينتج سوى أزمات جديدة واحتجاجات جديدة.

بين طرابلس وسرار ودير عمار، يبدو أن ملف النفايات يتحول شيئًا فشيئًا إلى كرة تتقاذفها البلديات والاتحادات، فيما يدفع المواطنون والبيئة الثمن. وفي غياب خطة واضحة، ستبقى كل الحلول المطروحة موقتة، وسيبقى السؤال نفسه يعود كلما امتلأ مكب أو أُغلق موقع: إلى أين نرسل النفايات هذه المرة؟