القاضي أنطوان الناشف

قانون التمديد للمجلس النيابي بين الظروف الاستثنائية والحالة الشاذة

6 دقائق للقراءة

ان الدستور هو القانون الأسمى في الدولة، هدفه انتظام عمل المؤسسات الدستورية من أجل استمرارية المرافق العامة في تسيير شؤون المواطنين.

تنص المادة 42 من الدستور اللبناني (ضمن الفصل الثالث المتعلق بالسلطة الاشتراعية) على وجوب إجراء الانتخابات العامة لتجديد هيئة مجلس النواب خلال الستين يومًا السابقة لانتهاء مدة النيابة. تحدد هذه المادة مهلة الشهرين الأخيرين قبل نهاية ولاية البرلمان لانتخاب مجلس جديد، وتلزم بإنجاز كافة التحضيرات اللازمة قبل دخول هذه المهلة.

ولا يوجد أي نص في الدستور اللبناني يسمح بتأجيل الانتخابات النيابية لا صراحةً ولا ضمنًا. وكل تأجيل خارج المهلة المحدّدة في المادة 42 يُعدّ إجراءً استثنائيًا غير منصوص عليه، ولا يمكن تبريره إلّا عبر تعديل دستوري صريح وفق الأصول المحدّدة في المادة 77 من الدستور. وما عدا ذلك، يبقى التأجيل فعلًا سياسيًا دون أي قيمة دستورية مهما كانت المبررات والادعاءات إلا في حالة الظروف الاستثنائية دون سواها.

أولًا– الاقتراع حق دستوري أساسي

1- أكدت مقدمة الدستور اللبناني على وجوب التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ولا سيما المادة 25 منه التي تكرّس حق المواطنين في المشاركة في الشؤون العامة عبر انتخابات دورية حرّة ونزيهة. وقد استقرّ اجتهاد المجلس الدستوري على اعتبار مقدمة الدستور جزءًا لا يتجزأ منه، ذات قيمة دستورية ملزمة، ما يجعل أي تأجيل غير مبرر للانتخابات انتهاكًا مزدوجًا: للنص الدستوري الداخلي، وللالتزامات الدولية ذات القيمة الدستورية.

2 - إن حق الاقتراع، وبالتالي، حق المواطن في أن يكون ناخبًا أو منتخبًا، هو من الحقوق الدستورية ويجسد المبدأ الديمقراطي الذي يرتكز عليه النظام الدستوري في لبنان، وله القيمة الدستورية نفسها سواء عند ممارسته على مستوى الانتخابات النيابة أم على مستوى الانتخابات المحلية.

3- إن حق الاقتراع، وهو حق أساسي مكرّس في المادة 21 من الدستور، يتولّد عنه كما هو متفق عليه علمًا واجتهادًا، مبدأ دستوري آخر هو مبدأ الدورية في ممارسة الناخبين لحقهم في الاقتراع، ما يوجب دعوة الناخبين لممارسته بصورة دورية وضمن مدة معقولة. وقد كرَّست هذا المبدأ أيضًا الفقرة "ب" من المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ثانيًا- إمكانية تأجيل الانتخابات عند توفر الظروف الاستثنائية وحالة الضرورة في اجتهاد المجلس الدستوري.

1- إن الظروف الاستثنائية هي حالة لا يمكن توقعها تعجز السلطات الرسمية عن تداركها باتباع السبل القانونية العاديّة ما يضطرّها إلى مخالفة القانون لكن من أجل تحقيق المصلحة العامّة وفقط ضمن الحدود والفترة الزمنية التي تقتضيها هذه الظروف. أمّا "الحالة الشاذة" فهي وليدة تقاعس السلطة السياسية، أي أنها ناجمة عن إرادة هذه الأخيرة التي أدّت إلى خلل كبير في عمل مؤسسات الدولة. وهي تاليًا حالة متوقعة ومعلومة ومستمرّة، وبكلمة أخرى أمر واقع تصنعه السلطة السياسية في مخالفة فاقعة للدستور.

2- إذا كان يعود للمشترع أن يحدد مدة الولاية الانتخابية، لأن وضع الأنظمة الانتخابية النيابة أو المحلية يدخل في اختصاصه، فهو لا يستطيع أن يُعدِّل في مدة الولاية الجارية إلا لأسباب مستمدة من ضرورات قصوى وفي حدود المدة التي تستدعيها هذه الضرورات، أي في حال وجود ظروف استثنائية حيث تتولَّد شرعية استثنائية فيجوز للمشترع أن يخالف أحكام الدستور والمبادئ الدستورية أو القواعد ذات القيمة الدستورية، حفاظًا على النظام العام أو ضمانًا لاستمرار سير المرافق العامة وصونًا لمصالح البلاد العليا، التي لا يعود بالإمكان صيانتها من خلال القوانين العادية.

3- إذا كان للمشترع أن يقدّر وجود ظروف استثنائية تستدعي منه سن قوانين لا تتوافق وأحكام الدستور، في حدود المدة التي تستوجبها تلك الظروف، فإن ممارسته لهذا الحق تبقى خاضعة لرقابة المجلس الدستوري، الأمر الذي يستتبع البحث في مدى توفر تلك الظروف، وبالتالي ترتيب النتيجة بالنسبة لدستورية أو عدم دستورية القانون.

4- إن مبدأ دورية الانتخابات يجب عدم تعطيله مطلقًا من أجل منع الفراغ في حالة الظروف الاسثنائية بل يتوجب الموازنة بينهما للخروج بالنتائج التي تتدرج على الشكل التالي:

 أ- القبول بالتمديد إذا تم التحقق من الظرف الاستثنائي على أن يكون هذا الأمر محصورًا بفترة زمنية قصيرة، وعليه فإن التمديد لمنع الفراغ لفترة طويلة يرتدي طابع عدم التناسب الساطع.

ب- إن قاعدة التناسب تحتم القبول بفراغ بسيط بدل حرمان الشعب الذي يعتبر مصدر السيادة والشرعية في لبنان من حقه بممارسة الوسيلة الوحيدة المتاحة له من أجل اختيار السلطة السياسية التي ستتولى الحكم.

5- إن ممارسة المشترع حقه في تقدير وجود الظروف، الاستثنائية وسن القوانين التي لا تتوافق وأحكام الدستور، في حدود المدة التي تستوجبها تلك الظروف تبقى خاضعة لرقابة المجلس الدستوري، الأمر الذي يستتبع البحث في مدى توفر تلك الظروف، لترتيب النتيجة بالنسبة لمدى دستورية القانون المطعون فيه، بما في ذلك لناحية مداه الزمني والجغرافي.

ثالثًا- الظروف الاستثنائية في اجتهاد مجلس الشورى

حددت عدة أحكام صادرة عن مجلس شورى الدولة المبادئ المتعلقة بالظروف الاستثنائية ويمكن اختصارها كما يلي:

1- في الظروف الاستثنائية يحق للسلطة الإدارية في الظروف الاستثنائية، ويجب عليها، أن تتخذ التدابير اللازمة لتلافي المحاذير، حتى لو أدى ذلك إلى تجاوز قواعد الاختصاص وحتى لو أدى ذلك الى إصدار تشريع يعود أمر إصداره طبيعيًا إلى السلطة الإشتراعية.

2- من المسلّم به أنه عند قيام الظروف الاستثنائية تطبق "الشرعية الإستثنائية" الناتجة عن توسيع صلاحيات السلطة الإدارية وتحريرها من القيود القانونية.

3- وحيث أن الاجتهاد المستمر يعتبر أنه في حال حدوث ظروف استثنائية، تتحرر السلطة من وجوب احترام الحريات العامة التي يكرسها القانون.

بالخلاصة إن الظروف الاستثنائية هي الظروف الشاذة التي تهدد السلامة العامة والأمن والنظام العام في البلاد وهي تنجم عن أحداث خطيرة جدًا وغير متوقعة وأن الظروف التي تعيشها البلاد حاليًا هي ظروف شاذة واستثنائية تحول دون إمكان إجراء الانتخابات، في المناطق التي تهجر سكانها، كما تحول دون إجرائها بشكل طبيعي آمن وسليم، في المناطق التي لا تزال بمنأى عن الاعتداءات.

وبما أنه في الظروف الاستثنائية تتولد شرعية استثنائية يجوز فيها للمشترع أن يخالف أحكام الدستور والمبادئ الدستورية أو القواعد ذات القيمة الدستورية وصونًا لمصالح البلاد العليا لكن هذه المخالفة يجب أن تكون قصيرة وموقتة تنتهي عند انتهاء هذه الظروف حتى لا يتحول التمديد إلى حالة شاذة غير دستورية مهما كانت مبرراتها وأسبابها الموجبة.