كوميديا عبثية وتراجيديا مضحكة

"جوزيف ق" مسرحيّة من فصلَين لجو قديح

7 دقائق للقراءة

صدر للكاتب والمخرج جو قديح عن "دار سائر المشرق"، كتاب بعنوان: "جوزيف ق -  مسرحية من فصلَين"، وقد أطلقه الأسبوع الماضي من "معرض الكتاب" ضمن فعاليات "المهرجان اللبناني للكتاب" في أنطلياس. 

في مقدّمة الكتاب يرى الناقد عبيدو باشا أن نصّ المسرحية مشغول بالمعيارية والتجربة الشخصية للمؤلّف، "من مواجهة قديح لانحرافاته الصحيّة وصولًا إلى اتهامات طالته وهي غير موجودة، إلا كشرط من شروط النجاح عند المتهِمين". أما الممثل منير معاصري فيرى من جهته في مقدّمة الكتاب أن المسرحية "انصهار كامل من الكوميديا العبثية والتراجيديا السوداء المضحكة. عند الغوص في قراءتها، ينهال عليك ويضعك في عالم كأنه ليس من هذا العالم، ولكنه الواقع الحقيقي الذي نعيش".

هنا فصل من الكتاب - المسرحية.   

أنا مع المسرح فقط… أنا مهرّج. أضع مكياجًا أبيض على وجهي. أضع كريمًا أبيض… يقولون إنه خطِر، وفيه مادّة التيتانيوم. أطليه على وجهي قبل كلّ عرض... كي ينشف بسرعة، أرشّ فوقه بودرةً بيضاء. لديّ كِلسة تتماشى مع القدمَين. أملأها من هذه البودرة… وأنثرها على وجهي. عندما أبتسم أمام المرآة ووجهي مطليّ، تبدو أسناني شديدة الاصفرار. ثمّ أرسم فمًا كبيرًا باللون الأحمر… أحدّده بقلمٍ أسود. هذا الفم مثل القلب... حزينٌ من جهة… وضاحكٌ من جهة أخرى. ثمّ أضع شَعرًا مستعارًا ملوّنًا… أحمر، أزرق، أخضر… وفوق الشعر المستعار ألبس برنيطةً كبيرة، علّقتُ أجراسًا صغيرةً على أطرافها… تطنطن عندما أقفز. داخل هذه القبّعة أخفي ألعاب خفّة وأكسسوارات سِحر. مرّةً أخفيت داخلها أرنبًا صغيرًا أبيض… مات داخلها مختنقًا. عندما سحبته أمام الأولاد، ارتعبوا… بكوا… ثمّ هربوا. اختنق الأرنب داخل القبّعة… توقف قلبه… ومات فوق رأسي. ما ذنبه؟ ذنبه الوحيد أنه وُلد أرنبًا في عالم البشر. منذ ذلك العرض… أرسم دمعةً تحت عيني، بلونٍ فضيّ برّاق، كي تلمع أكثر. كلّ مرّة أرسمها… أتذكّر الأرنب الأبيض… أبتسم… ثمّ أرى اصفرار أسناني… أخاف… وأشمئز... الأنف الأحمر يبقى الأهمّ. الأنف الإسفنجيّ المبروم، الذي يقع أرضًا من حينٍ لآخر… فألصقه. وعند نهاية كلّ عرض، وأنا أخلعه، تتقشر جلدة أنفي معه. هذا الأنف أصبح أنفًا ثانيًا… يدًا فوق يدي… درعًا يحميني من أطفالٍ تجمهروا كي يروني أتعثر… أقع… أبكي. الأنف الأحمر هو الشيء الوحيد الذي احتفظت به منذ أوّل حصّة تمثيل في "كليّة الفنون". أهدتني إيّاه ممثلة طريفة… قصيرة القامة… شعرها منكوش… وأنفها أفطس. أخفيتُ هذا الأنف في علبةٍ حديديّة صغيرة، وراء ثيابي، في الرفّ الثاني من خزانتي. وقبل كلّ عرض… بعد أن ألصقه، أشعر بحزنٍ كبير، كأنّ الدنيا ضاقت بي. أحاول لمسه… لكن لا أجرؤ. آخذ ثيابي المبرقعة، أطفئ الضوء حول المرآة في الكواليس، وأدخل المسرح الضخم. الأطفال ينتظرونني… ومنهم الكبار أيضًا. يهيصون عندما يرون حذائي الأحمر الضخم… وأنفي المبروم… انظر، يا بنيّ، ها قد وصل المهرّج. الأولاد ينظرون إليّ… والأهل يتكلّمون مع أنفسهم… ينادون الطفل التائه في داخلهم. سيتعثر بعد قليل… ارجموه بهذه الأوراق. هتافات… ضحك… بكاء… المشاهدون الصغار ليسوا إلّا مشاريع مستقبليّة للرأسماليّة. يومًا ما، سأكرههم… سأكره كلّ ما يمثلونه. هذه قصّتي… هذه حياتي… أنا إنسانٌ يختبئ وراء أنفٍ كبير… أنفٍ أحمر. هذا أنا. وإذا أحببتم إدانتي بسبب مهنتي… لا تتأخروا. فأنا ميّتٌ منذ زمنٍ بعيد.

من المستحسن أن تصدروا حكمًا مُبرمًا من دون أن تُبرّروا أنفسكم. تُوفّون عليّ الوقوف، ولن تُجبروا اللحامية على أن تحيك الصوف بهذه الطريقة الشرسة. يداها ستتعبان من الصنارة. طوال حياتكم كنتم نيامًا، غارقين في سباتٍ عميق… لم تُصدروا يومًا حكمًا نافعًا، إلّا حين تحتاجون إلى كبش محرقة. الشهادات كلّها مسيّسةٌ تحت قوس عدالتكم. أمّا المجرمون والفاسدون والسارقون، فهم اليوم أحرارٌ طلقاء… يتناولون أفخر المأكولات، يسهرون، يسافرون، ويتربّعون على مناصب تُمكّنهم من الإمساك بشرايين البلاد. ابتدعوا جمعيّاتٍ غير حكوميّة ليستفيدوا منها، ويُطعمونكم معهم... ارجموه! من حين إلى آخر، تحتاجون إلى فردٍ من الشعب كي ترجموه. أنتم تحتاجون إلى سفك الدماء. تبحثون عن إنسانٍ بلا سلوكٍ جنسيّ محدّد، بلا ميولٍ سياسيّةٍ واضحة، بلا عقيدةٍ دينيّةٍ صريحة.

ربّما تحتاجون إلى رجلٍ لديه عائلة… وفكرة العائلة تُربككم. ربّما تحتاجون إلى موظفٍ في مصرف، إلى مواطنٍ مسكينٍ يستيقظ كلّ صباحٍ ليذهب إلى عمله، فتضعون حياته في خطر، لأن صاحب المصرف قذر، ولأن الموظف هو من يواجه المودع المنهوب. تحتاجون إلى جنديّ يتكل على الضمان، على معاشٍ زهيدٍ، ليعيل أولاده. عسكريٌّ وقف طويلًا على الطرقات، في وجه الجياع؛ يدفعونه، يُهينونه، يشتمونه، ثم تعاودون محاكمته كي يُهان ويُشتم من جديدٍ في وحول ثوراتكم الوهميّة. ربّما يلزمكم امرأة، ضحيّة عنفٍ أُسريّ، ترجم في ساحة مُصلّى على يد كُفّار الشرائع، ثم تعودون فتدينونها بتهمة الزنى، لأنكم أنتم كُفّار الشرائع الحقيقيّون. أنتم وجمعيّاتكم، أنتم ومعلّموكم في السفارات، تتحكّمون ببلادٍ مُهترئةٍ. تلبسون عباءة العدل، وتحملون راية محاربة الفساد وتطوير المجتمع، وتصبغون حديثكم بعباراتٍ امتيازيّةٍ… إنصاف الأصناف، حقوق السناجب، تمكين النبات، دمج المُهمّشين بالمُستضعفات، تحصيل مكتسبات المُعذبات وصلاحيّات المُشرّدين. تُدافعون عن حقوق المرأة لا عن حقها؛ حقّها بأن تكون امرأةً قبل كلّ شيء، قبل الدخول في ألاعيب المفردات والقواعد اللغويّة لتسميتها.

تتباهون بالدفاع عن حقوق الطفل، وأنتم لا تُؤمّنون له حتى ثمن كوب حليب، ولو كان مُصنّعًا. تتفاصحون بأنكم مع حقوق المُقعدين، فيما أصبح الشعب كلّه كسيحًا. تركبون أمواج الدفاع عن حقوق المثليّين، بعد أن يُهان هؤلاء بفحوصٍ شرجيّةٍ وإهاناتٍ مسلكيّة. وعندما تدّعون أنكم صنعتم خيرًا، تُطبّلون وتُزمّرون لتُبهروا الرأي العام، ويقول الناس… كم أنتم راجحون على الشعب.

لم تصنعوا يومًا خيرًا. لا للطفل، ولا للمرأة، ولا للمثليّ، ولا للكسيح، ولا حتى للسنجاب. كلّ ما تصنعونه هو شرذمةٌ فوق الشرذمة. هذا المجتمع ضعيفٌ، وأنتم تستخدمون كلّ وسيلةٍ لإسكات شعبكم وإذلال أهلكم لتستمرّوا في أحكامكم المسبقة. والمموّلون زورًا جهاتٌ تدّعي دعم جيشنا من ناحية، وتُجوّعه من ناحيةٍ أخرى. جهاتٌ تقول إنها تُدافع عن حق التعبير والتظاهر، وفي الوقت نفسه تُهدي الشرطة الرصاص والقنابل لقمع المُطالبين بحُرية التعبير. بسببكم أصبح جيشنا كالشرطة، يُحارب في زقاق ضيّق في مدينةٍ بعيدةٍ، يلاحق مهرّبي المخدّرات الذين يقتلون عناصره على طرقاتٍ رماديّةٍ، بعيدًا من عائلاتِهم وأحبّائهم، بينما حدودُنا مفتوحةٌ، والمطار بلا رقابةٍ، والمرفأُ مُدمّرٌ، وقرار الحرب والسلام بأيدي معلّميكم في السفارات. المنظمات والمنظومات التي تحكمكم وترفع راية اللجوء والتوطين لا تعنيها كلمة وطن. يدفعون أموالًا طائلةً للاجئ ينهش هذا البلد، وهو بدوره ينام في خيمةٍ مع أولاده، الذين وُلدوا في أكواخِ المجتمعِ غير الدوليّ، بين دهاليز البرد الهاربة. وإذا علا صوتٌ لحلّ هذه المعضلة، يرجمونه بشعارات العنصريّة ورُهاب اللجوء… ثم يبكون في أحضانكم. مواطنو هذه البلاد فقراء، يبحثون عن لقمة العيش، خائفون على مصير أولادهم من الغرباء المُكتظين بين بيوتهم وتحت شرفات منازلهم... نحن شعبٌ لا يعمل! هذه أفكارُكم. ولو لم يكن هناك لاجئون، من يُوصل الطعام؟ من يكنس الشوارع؟ من يطبخ؟ من يبني؟ ثم تقولون إننا شعبٌ كسول. (يحتدّ) كذب! رجالُنا ونساؤنا يزحفون بحثًا عن عملٍ، بعد أن سُرقت أموالُهم ونُهب عمرُهم. سياسيّو هذه البلاد مُرتشون يستعملون قضيّة اللاجئين عند الحاجة، ثم يرمونها في النسيان. وأنتم، بمماطلتكم وأوامركم المُلتوية، تصنعون اليأس وتُباركونه. استبدلتم أهل هذه البلاد بشعبٍ آخر، يسحب اللقمة من أفواه أولادهم. والرأي العام؟ تُقدّمونه كبش محرقةٍ، لتُلهوا الناس، كما يُلقى البريء في حلبة الوحوش. لو كنتُ مُذنبًا، لانحنيتُ للعدالة، وحاكمتُ نفسي، ومشيتُ قانعًا إلى مشنقتي. لكن رأسي اليوم مرفوعٌ. مرفوعٌ… عن قناعةٍ.

(للقاضي) قُل لي فقط… من أين تأتي أوامرُكم؟ وماذا تريد جمعيّاتُكم؟ كي أعرف إن كانت الإجابة عن أسئلتكم ذات أهميّة.