سعيد مالك

الكُرة في مرمى المجلس الدستوري

4 دقائق للقراءة

يوم الإثنين المنصرم، سطّر المجلس النيابي مجزرةً بحق الدستور اللبناني بإقراره قانون مدّد بموجبه لنفسه ولايته لعامين إضافيين، بذريعة الظروف الاستثنائية والقوّة القاهرة.

فالدستور اللبناني ينص صراحةً في مقدّمته على أن لبنان هو جمهورية ديمقراطية برلمانية (الفقرة "ج" من مقدّمته) والمقصود بالديمقراطية أي تداول السلطة، والعودة إلى صناديق الاقتراع، كَون الشعب هو مصدر السلطات (الفقرة "د" من مقدّمة الدستور).

فوكالة النائب تنتهي مع انتهاء الولاية، ولا يجوز للمجلس النيابي أن يمدّد لنفسه، إلا بحالات قاهرة واستثنائية، وخشيةً من أي فراغ على صعيد المؤسسات الدستورية.

ومن الثابت أن الانتخابات العامة كانت مُقرّرة في أيّار المُقبِل.

ومن الثابت أن ما يشهده لبنان راهنًا، ابتداءً من الثاني من شهر آذار، يُشكّل قوّة قاهرة تمنع من إنجاز الاستحقاق بموعده.

فالقوّة القاهرة هي كلّ حدث لا يُمكن توقعه ولا يمكن دفعه ويخرج عن إرادة الأفرقاء، ويجعل من التنفيذ مستحيلًا. يُعتبر قوّة قاهرة تُبرّر للدائن عدم الإيفاء، سندًا للمواد 341 حتى 343 من قانون الموجبات والعقود اللبناني.

وبالتالي، فرضت القوّة القاهرة والمتمثلة بالأعمال الحربية الجارية على الأرض اللبنانية، إرجاء الانتخابات والتمديد للمجلس النيابي بشكلٍ قسري وموقّت وحتى زوال هذا العامل وانقضائه.

لكن أن يستغل باقة من النواب هذا الظرف القاهر، لسلب نصف ولاية مجلسيّة، خفيةً وخِلسةً عن اللبنانيين، فهذا هو الأمر المُعيب والمرفوض شكلًا وأساسًا.

فالقوّة القاهرة يمكن أن تمتد لأسابيع وربّما أشهُر قليلة، لكن أن تستمر لعامين من الزمن، أمرٌ يُناقض الواقع ويُجافي الحقيقة.

والمؤسف، أن المجلس النيابي استغل هذا الظرف القاهر، ومدّد لنفسه لعامين. ضاربًا الدستور بعرض الحائط، والمبادئ الدستورية أيضًا، وأهمّها تداول السلطة، ودورية الانتخاب، وحق الانتخاب للمواطنين، وعدم جواز تخطّي حدود الوكالة البرلمانية.

ولم يكتفِ المجلس النيابي بالتمديد لنفسه لعامين من دون وجه حق، إنما ربط إجراء الانتخابات بالاتفاق على قانون انتخابات جديد، والنهوض بلبنان وقيامته و...كذا... .

لم يُدرك هؤلاء النواب أنه لا يُمكن ربط إجراء الانتخابات بأي عامل آخر.

فبتاريخ 28/11/2014 أصدر المجلس الدستوري القرار رقم 7/2014 جاء فيه أن دورية الانتخاب هي مبدأ ذو قيمة دستورية سامية. وكرّس صراحةً قاعدة دستورية مفادها، أنه لا يجوز ربط إجراء الانتخابات بأي اتفاق على أي قانون انتخابات جديد. وزاد على ذلك، قاعدة دستورية راسخة أن التمديد لأي ظرف قاهر، يجب أن يكون متناسبً مع الظرف الاستثنائي ولا يجوز أن يتجاوزه.

بالتالي، ما اقترفه مجلس النواب من مجزرة بحق الدستور، تمثل بمخالفتين. الأولى أن تقريره التمديد لعامين بشكلٍ لا يتناسب مع الظرف القاهر. إذ كان يفترض أن يحصل التمديد لأشهر قليلة حتى زوال الظرف القاهر لا غير. ومن جهة ثانية، ربط إجراء الانتخابات بشروط واستحقاقات، تحقيقها بحاجة إلى سنين وأعوام إنْ تحققت.

مما يُفيد، أن القانون المذكور طعن الدستور والمبادئ الدستورية السامية. مما يدفعنا إلى مُناشدة جانب المجلس الدستوري، الساهر على احترام الدستور، أن يُمارس دوره المُناط به، ويُبطل القانون المذكور لعدم دستوريّته.

فالتعويل على المجلس الدستوري، أن يحذو حذو المجالس الدستورية السابقة، بتكريس المبادئ الدستورية.

مع الإشارة، إلى أن إبطال القانون لن يؤدّي إلى فراغ في المؤسسات، كما ذهب إليه المجلس الدستوري في قراره رقم 7/2014. فالمجلس النيابي الحالي يبقى باستطاعته التشريع والخروج بقانون تمديديّ دستوري آخر حتى نهاية أيار الجاري.

فالمجلس الدستوري هو الخلاص، وهو الممر الآمن للوصول إلى دولة القانون والدستور.