د. أنطوان مسرّه

تربية وثقافة للجيل الجديد

المرسوم 3445: أي مستقبل للإطار العام للتعليم ما قبل الجامعي؟

5 دقائق للقراءة

هل فقد "الإطار العام للتعليم ما قبل الجامعي" الذي أعلن في السرايا الحكومي في 15/12/2022 صفته المرجعية وجوهر مضامينه من خلال المرسوم الأخير رقم 3445؟ إن "الإطار العام" هو ثمرة جهود استمرت أكثر من سنة بقيادة، مميزة وحكيمة، لوزير التربية سابقًا القاضي عباس الحلبي، وبفضل اختصاص وحكمة رئيسة المركز التربوي والبحوث والانماء البروفيسورة هيام إسحق.

شاركت في الإطار كل الفعاليات التربوية في لبنان. المرسوم رقم 3445، خلف ستار تقني في توزيع مواد تعليمية وحصص دراسية، أهمل الجانب الأعمق والأبرز والأهم، في المرحلة الحالية في النهوض، بشأن موقع المواد وأهميتها وفاعليتها. لا يطرح موقع المواد في اللغات والتاريخ والمواطنية والأدب والفلسفة والرياضيات... إشكاليات محض تقنية. يُشكل موقع المواد وتراتبيتها جوهر الإطار العام. هذا الجوهر هو في صلب مهام الهيئة التأسيسية التي أنتجت الإطار العام. لا تتوجه هذه الملاحظة إلى الحكومة الطبيعية "والإجرائية" (مجمل الفصل الرابع من الدستور)، بل إلى جهات إدارية قد تسعى إلى إخراج الإطار العام عن مضمونه.

1. موقع المواد التعليمية: يتضمن "الإطار الوطني اللبناني لمنهاج التعليم العام ما قبل الجامعي" الذي وضعه المركز التربوي للبحوث والإنماء بواسطة لجنة تحضيرية ثم وافقت عليه لجنة عليا في 23/11/2022 وأعلن رسميًا في السرايا الكبير في 15/12/2022 تجديدًا وأصالة في آن في ما يتعلق بالتراث الوطني الثقافي والقيمي الذي تزعزع طوال نصف قرن في لبنان.

يرد في الإطار العام: "تتطلب المبادئ عملا ثقافيًا وتربويًا للجيل الجديد، ولا سيما بعد الخبرات المتراكمة في الاعتداءات والحروب والمعاناة والتراث والإنجازات المشتركة والأزمات الحديثة". ويتضمن "تحويل المبادئ الى قناعة ذاتية راسخة وبناء المناعة تجاه المخاطر الداخلية والخارجية واعتماد سلوك يومي في مفاصل الحياة العامة كلها". انطلاقًا من الاختبار اللبناني الذاتي ودولنة المواطنية، يركز الإطار العام على "مثاقفة الدولة الضامنة للوحدة الوطنية وخصوصية المجتمع اللبناني ودوره ورسالته ولفاعلية القانون في دولة الحق" (ص 15). استغرق إعداد "الإطار العام" أكثر من سنة بفضل لجنة عليا ومشاركة أبرز القيادات التربوية والذين لهم خبرة واسعة في الشأن العام وبفضل قيادة حكيمة وحازمة ويومية واستشرافية للوزير القاضي عباس الحلبي.

لا تقع المسؤولية المباشرة، أو الانقلاب على مضمون "الإطار العام"، على رئاسة الدولة وعلى الحكومة الحالية، بل على قيادة عملت ماضيًا على تفشيل "خطة النهوض التربوي" الواردة في ميثاق الطائف في عهد الرئيس الياس هراوي (منير أبو عسلي، مسيرة ورهان، نوفل، 2021، 600 ص).

2. التاريخ والذاكرة والتراث: إن برامج التاريخ للمرحلة ما قبل الجامعية التي وضعت في اطار خطة النهوض التربوي بقيادة البروفسور منير أبو عسلي في السنوات 1996-2000 وصدرت في الجريدة الرسمية بموافقة اجماعية من مجلس الوزراء ودعم كل المؤسسات التربوية وعطّل تطبيقها بعدئذ أحد وزراء التربية وقوى الاحتلال لحجة وليس لسبب، تنطلق من كون التاريخ من العلوم الإنسانية الجوهرية. وتنطلق أيضًا من منهجية تربوية سقراطية socratique في المشاركة مع التلامذة والتفاعل واكتساب قناعة ذاتية. صدرت مناهج التاريخ بإجماع المؤسسات التربوية في الجريدة الرسمية (المرسوم رقم 3175 تاريخ 8/6/2000، عدد 27، تاريخ 22/6/2000، ص 2114-2195).

الحاجة إلى إحياء الخطة بكامل مضامينها وروحيتها وباشراف قيادات واعية في سبيل سلم أهلي ثابت وذاكرة جماعية مشتركة ومناعة وطنية. قد يتطلب ذلك الاعتماد على المؤسسات التربوية الكبرى وأبرزها الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية، والمقاصد، والمكتب التربوي لراهبات القلبين الأقدسين... سبق أن وضعنا وثيقة تطبيقية انطلاقاً من خبرات عالمية، بخاصة في سويسرا والنمسا، حيث يشارك الطلاب في كتابة التاريخ من خلال الوثائق وأسماء الشوارع والمناسبات الوطنية العامة (أي تربية تاريخية لبنانيًا؟ الأهداف، الخصوصية اللبنانية، المنهجية، التطبيق، مراجع تطبيقية، بيروت 2024، 83 ص + 44 ص بالفرنسية).

بعد تفشيل خطة النهوض التربوي بقيادة البروفسور منير أبو عسلي (1996-2002)، صدرت أبحاث بروقراطية من قبل لجان هي غالبًا أكثر حرصًا على المردود المالي. يكمن المسار التطبيقي والاستنتاجي مستقبلاً في استعادة مبادئ جوهرية وتأهيل كادارات تربوية متحرّرة من برمجة ذهنية من الماضي ومن أي توجه بروقراطي الطابع وبدون فاعلية تربوية تطبيقية. إن اللجان التي تولت العمل التربوي بعد البروفسور منير أبو عسلي أنتجت غالبًا دراسات مكتبية بيروقراطية بدون إنتاج سطر واحد في التطبيق!

أصدرت المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، بالتعاون مع اللجنة البرلمانية لمتابعة تطبيق القانون، التي كان يرأسها النائب والوزير ياسين جابر، كتابًا: قوانين لبنان في التطبيق (إشراف أنطوان مسرّه وربيع قيس، جزء 48، 2022، 494 ص)، حيث تبرز أشكال متعددة في استغلال رمزية القانون لإيهام الناس بالتغيير.

هل الأشخاص الذين ساهموا في إعداد "الإطار العام" مجرد غطاء خلف ستار توزيع مواد تعليمية وحصص تعليمية؟ هذه قضايا هي في صلب عمل الذين تولوا إعداد "الإطار العام". هل دمج التاريخ والتراث والذاكرة والمسارات التربوية الأخرى مجرد إجراء تنفيذي؟ إن تجاهل نقل التراث القيمي إلى الأجيال الجديدة هو مصدر السياق العالمي المعاصر في اللاحضارة! تفقد في عالم اليوم نصوص قانونية ودستورية صفتها المرجعية:


Catherine Samet, Naissance de l’escroquerie moderne, L’Harmattan, 2005, 635 p. et Albert Woumeni, L’escroquerie au jugement (vers une révision de la déontologie dans la profession juridique pour gagner la confiance du citoyen), Dunet, 2022, 394 p.).

هل يعود الذين ساهموا في تفشيل وتعطيل خطة النهوض التربوي بقيادة البروفيسور منير أبو عسلي بلباس جديد وبغطاء جهود المشاركين في صياغة "الإطار العام"؟

عضو المجلس الدستوري، 2009-2019