العميد المتقاعد جوني خلف

يتصافح القادة… ويدفع اللبنانيون الثمن

4 دقائق للقراءة

في كل حربٍ تنتهي، يلتقي القادة ويتصافحون أمام الكاميرات، ويُعلن انتهاء المعارك وكأن شيئاً لم يكن. لكن خلف تلك الصور، يبقى شعبٌ كامل يفتش بين الركام عن أبٍ لم يعد، أو ابنٍ لن يطرق الباب من جديد.

كتب الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش كلمات تختصر مأساة الحروب حين قال إن الحرب ستنتهي ويتصافح القادة، لكن الأمهات سيبقين ينتظرن أبناءهن، والزوجات سيبقين ينتظرن أحباءهن، والأطفال سيكبرون وهم ينتظرون آباءهم الذين لن يعودوا. هذه الكلمات ليست مجرد شعر، بل حقيقة تتكرر في كل حرب عرفها العالم.

عندما تنتهي المعارك وتُعلن الاتفاقات وتُلتقط الصور الرسمية للمصافحات بين القادة، يبقى هناك عالم آخر لا يظهر في تلك الصور. عالم الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن، والزوجات اللواتي لم يعد لهن من ينتظرنه، والأطفال الذين كبروا فجأة لأن الحرب سرقت منهم طفولتهم.

الحروب تنتهي على الورق، لكنها لا تنتهي في ذاكرة الشعوب. فالخسارة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأيام التي استمرت فيها المعارك، بل بعدد القلوب التي انكسرت، والبيوت التي تهدمت، والأحلام التي لم يعد لها مكان في وطن أنهكته الصراعات.

لبنان يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره. هذا البلد الصغير دفع أثماناً باهظة عبر تاريخه الحديث، ليس فقط بسبب الحروب التي مرّت عليه، بل أيضًا بسبب الحروب التي فُرضت عليه أو وجد نفسه في قلبها من دون أن يملك قرارها الكامل.

المشكلة في لبنان ليست فقط في اندلاع الحرب، بل في قرار الحرب نفسه. فالدول الطبيعية تُدار عبر مؤسسات دستورية واضحة، ويكون قرار الحرب والسلم فيها بيد الدولة وحدها لأنها الجهة التي تمثل الشعب كله وتتحمل مسؤولية مصيره ومستقبله.

لكن عندما يصبح هذا القرار موزعًا بين الدولة وقوى عسكرية خارج إطارها، يتحول الوطن كله إلى ساحة مفتوحة لصراعات لا يتحكم بها شعبه. وعندها يصبح اللبنانيون شهوداً على قرارات تُتخذ خارج مؤسساتهم، بينما هم من يدفعون الثمن في النهاية.

وهنا تكمن واحدة من أبرز الأزمات التي يعيشها لبنان منذ سنوات طويلة. فوجود قوة عسكرية منظمة خارج إطار الدولة مثل حزب الله، ترتبط سياسيًا وعقائديًا بمحور إقليمي تقوده إيران وتنسق بشكل وثيق مع الحرس الثوري الإيراني، جعل لبنان مرارًا في قلب صراعات إقليمية تتجاوز قدرته وإرادة شعبه.

ليس المطلوب هنا سجالاً سياسيًا إضافيًا ولا تبادل الاتهامات التي اعتاد عليها اللبنانيون، بل طرح السؤال الذي يتهرب منه كثيرون. من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟

إذا كان هذا القرار بيد الدولة اللبنانية، فهذا يعني أن الدولة وحدها تتحمل مسؤولية حماية شعبها وتقرير مصيره. أما إذا كان القرار موزعًا بين جهات متعددة، فإن لبنان يبقى معرضًا في أي لحظة لأن يتحول إلى ساحة حرب حتى لو لم يكن شعبه يريد ذلك.

التاريخ واضح في هذا المجال. لا يمكن لأي دولة أن تبني استقرارها الحقيقي ما لم تحتكر مؤسساتها الشرعية وحدها قرار السلاح. فالدولة القوية لا تقوم بتعدد الجيوش ولا بتعدد القرارات العسكرية، بل بوحدة القرار والسيادة والقانون.

لبنان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية في تاريخه. فإما أن يستعيد الدولة الكاملة التي تحتكر قرار الحرب والسلم وتعيد الاعتبار لمؤسساتها، وإما أن يبقى عالقا في دائرة الصراعات التي لا تنتهي حيث يدفع الشعب اللبناني وحده الثمن مرة بعد مرة.

وعندما تنتهي كل هذه الحروب يومًا ما، سيبقى السؤال الذي طرحه محمود درويش معلقا في ضمير اللبنانيين. من الذي اتخذ القرار ومن الذي دفع الثمن.

لأن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الشعوب لا تختار الحروب، لكنها دائمًا من يدفع كلفتها.

قد يتصافح القادة في نهاية كل حرب، وقد تُعقد التسويات وتُكتب البيانات السياسية، لكن عيون الأمهات والزوجات والأطفال تبقى شاهدة على حقيقة واحدة. هناك دائمًا من يتخذ القرار، وهناك دائماً من يدفع الثمن.

أما الأوطان فلا تُبنى بالسلاح الخارج عن الدولة، بل بدولة لا يعلو فوقها سلاح.