طارق أبو زينب

العدوان الإيراني يتحطّم أمام صمود الخليج

4 دقائق للقراءة
برزت الإمارات كنموذج يجمع بين القوّة العسكرية والصلابة الاقتصادية والرؤية السياسية الهادئة (رويترز)

دخلت المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد بعد الضربات الأميركية - الإسرائيلية الواسعة التي استهدفت إيران وأسفرت عن مقتل كبار القادة السياسيين والعسكريين، وعلى رأسهم المرشد السابق علي خامنئي. ومع اندلاع هذه الحرب، لم تقتصر ردود إيران على واشنطن وتل أبيب، بل امتدّت لتطول دول مجلس التعاون الخليجي، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتوسيع نطاق الحرب وإغراق المنطقة في فوضى استراتيجية.

أطلقت إيران سلسلة هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية واقتصادية ومدنية في دول مجلس التعاون الست، في محاولة واضحة لرفع كلفة المواجهة وجرّ المنطقة إلى صراع إقليمي واسع. الإمارات كانت الهدف الأكبر، تلتها الكويت والبحرين وقطر والسعودية وعُمان.

رغم كثافة الضربات، نجحت الدفاعات الجوية الخليجية في اعتراض أكثر من 90 في المئة منها. وأفادت مصادر مطلعة بأن الإمارات تصدّت لأكثر من 1000 هجوم صاروخي ومسيّر من دون أن تتأثر بنيتها التحتية أو اقتصادها، ما يعكس مستوى الصلابة العسكرية والجاهزية الاستراتيجية لدول الخليج.

كشفت مصادر كويتية مطلعة لـ "نداء الوطن" أن الضربات الأميركية - الإسرائيلية جاءت بينما كانت دول الخليج تكثف جهودها السياسية والدبلوماسية لاحتواء التصعيد. سلطنة عُمان أدّت دور الوسيط، مستضيفة في 6 شباط جولة مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، سعيًا للتوصّل إلى تفاهمات حول الملف النووي الإيراني.

قبل اندلاع الحرب، اقتربت المفاوضات من تحقيق اختراق، إذ أعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن إيران وافقت على نقل مخزونها من اليورانيوم المخصّب إلى الخارج، وقبول رقابة صارمة على منشآتها النووية، بما في ذلك رقابة أميركية مباشرة. لكن طهران استخدمت هذه المفاوضات كغطاء لكسب الوقت، بينما كانت تعزز برنامجها النووي ومنظومتها الصاروخية وتعيد ترميم الميليشيات في المنطقة، وفي مقدّمها "حزب اللّه".

رغم إعلان دول الخليج رفضها استخدام أراضيها لأي عمل عسكري ضدّ إيران، بدأ "الحرس الثوري" بتنفيذ تهديداته بأن الحرب لن تبقى محصورة، مطلقًا موجة هجمات على مدن ومنشآت خليجية، في محاولة لإدخال المنطقة في فوضى استراتيجية. وفي الأوّل من آذار، عقد المجلس الوزاري لمجلس التعاون الخليجي اجتماعًا استثنائيًا دان خلاله الهجمات الإيرانية، مؤكدًا التمسّك بالحلول السياسية والدبلوماسية وحق دول الخليج في الدفاع عن نفسها وحماية أمنها واستقرارها.

رغم نفي إيران مسؤوليتها عن استهداف دول الخليج، حاول عراقجي تبرير الهجمات بأنها تستهدف "القواعد الأميركية"، إلّا أن الهجمات طالت مطارات مدنية ومنشآت خدمية ومرافق سياحية، وأعادت طهران بعد ساعات الهجمات على قطر والبحرين والإمارات والسعودية والكويت، في مشهد كشف حجم التناقض داخل النظام الإيراني.

أظهرت الإمارات قدرة دفاعية لافتة، إذ اعترضت غالبية الهجمات من دون تداعيات اقتصادية كبيرة. يشير خبراء إلى مرونة الاقتصاد الإماراتي المدعوم بأصول سيادية واستقرار مالي كبير، ما حال دون تحقيق طهران هدفها بإرباك الاقتصاد الإماراتي والخليجي أو تعطيل أسواق الطاقة. ووجّه رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد رسالة طمأنة للمواطنين والمقيمين، مشيدًا بدور القوات المسلّحة في التصدّي للهجمات، مؤكدًا أن "الإمارات قدوة، لكن جلدها غليظ ولحمها مرّ لا يؤكل"، في رسالة واضحة لطهران عن قوّة الدولة وصلابتها.

الهجمات الإيرانية لم تكن مجرّد ردّ على الضربات الأميركية - الإسرائيلية، بل تعكس عقيدة استراتيجية لدى طهران تقوم على توسيع نطاق الصراع كلّما تعرّضت لضغط مباشر. الخليج يمثل قلب الاقتصاد الطاقوي العالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط والغاز وعلى الاستقرار الاقتصادي الدولي. حاولت طهران تحويل الخليج إلى ساحة ضغط غير مباشر على أميركا عبر ورقة الطاقة، لكن الواقع أظهر أن دول الخليج تمتلك قدرة دفاعية واقتصادية عالية حالت دون تحقيق إيران هدفها.

الحرب كشفت حدود القوّة الإيرانية وطبيعة مشروعها العدائيّ القائم على تصدير الأزمات والفوضى. الصواريخ التي رفعت شعار مواجهة أميركا استهدفت مدنًا ومنشآت خليجية مدنية، ما أكد أن طهران تتعامل مع استقرار المنطقة كورقة مساومة سياسية لا أكثر.

في المقابل، أظهرت الأزمة تماسك دول الخليج وقدرتها على الدفاع عن أمنها واستقرارها، فيما برزت الإمارات كنموذج يجمع بين القوّة العسكرية والصلابة الاقتصادية والرؤية السياسية الهادئة. وهكذا، اصطدمت محاولات طهران لإشعال الخليج بجدار خليجي أقوى وأكثر صلابة من أي وقت مضى، لتتحوّل الأزمة إلى درس في حدود القوّة وأهمية الاستقرار الإقليمي.