جاد الاخوي

تأجيل الانتخابات النيابية: من استفاد ومن خسر؟

5 دقائق للقراءة

لم يكن قرار تأجيل الانتخابات النيابية في لبنان حدثا تقنيًا عاديًا، بل قرارًا سياسيًا بامتياز يعكس طبيعة النظام السياسي اللبناني وطريقة إدارة الاستحقاقات الدستورية فيه. فالانتخابات في لبنان لا تُختصر فقط بموعد محدد في الروزنامة الدستورية، بل تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع سياسي بين القوى المختلفة، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الاعتبارات الأمنية والاقتصادية وحتى الإقليمية.

من هنا يطرح السؤال نفسه: هل جاء تأجيل الانتخابات لصالح طرف سياسي على حساب طرف آخر، أم أن الجميع استفاد بدرجة أو بأخرى من هذا التأجيل؟

في الظاهر، بدا المشهد وكأن هناك فريقا مؤيدًا للتأجيل وفريقا معارضًا له. لكن عند التعمق في قراءة المشهد السياسي، يتبين أن الواقع أكثر تعقيداً، وأن معظم القوى السياسية اللبنانية وجدت بطريقة أو بأخرى مصلحة في هذا التأجيل، حتى تلك التي أعلنت اعتراضها عليه.

أول المستفيدين من التأجيل هي القوى السياسية التقليدية الممسكة بالسلطة. فهذه القوى تدرك أن المزاج الشعبي في لبنان منذ سنوات يتسم بالغضب والاحتقان نتيجة الانهيار الاقتصادي والمالي غير المسبوق. هذا الغضب الشعبي يشكل تهديدًا مباشرًا للأحزاب التي شاركت في إدارة السلطة خلال العقود الماضية. وبالتالي فإن تأجيل الانتخابات يمنح هذه القوى وقتا إضافيًا لامتصاص هذا الغضب، وإعادة ترتيب تحالفاتها الانتخابية، وربما محاولة تحسين صورتها أمام الرأي العام.

كما أن التأجيل يعطي هذه القوى فرصة لإعادة تنظيم قواعدها الشعبية التي تأثرت بشدة بالأزمة الاقتصادية. فالأحزاب اللبنانية تعتمد بشكل كبير على شبكاتها الخدماتية والاجتماعية للحفاظ على ولاء قواعدها، وهذه الشبكات تضررت خلال السنوات الأخيرة بسبب الأزمة المالية. وبالتالي فإن كسب الوقت قد يساعدها على ترميم جزء من هذه القدرة.

في المقابل، لم تكن قوى المعارضة التقليدية في وضع أفضل بكثير. فرغم خطابها الرافض للتأجيل وتمسكها بإجراء الانتخابات في موعدها، فإن الواقع يشير إلى أنها تعاني من تشتت سياسي واضح ومن صعوبة في بناء جبهة معارضة موحدة. الانقسامات داخل هذا المعسكر، إضافة إلى التنافس بين قياداته، جعلت قدرته على خوض انتخابات حاسمة موضع شك. لذلك يمكن القول إن التأجيل منح هذه القوى أيضاً فرصة إضافية لإعادة تنظيم صفوفها وبناء تحالفات انتخابية أكثر تماسكاً.

أما القوى التغييرية والمستقلة، التي برزت بقوة بعد انتفاضة 17 تشرين، فقد تكون الخاسر النسبي من هذا القرار. فهذه القوى تعتمد بشكل كبير على الزخم الشعبي وعلى حالة الاعتراض العامة في المجتمع. ومع مرور الوقت، قد يتراجع هذا الزخم نتيجة الإحباط أو الهجرة أو الضغوط المعيشية اليومية التي يعيشها اللبنانيون. كما أن القوى الجديدة غالباً ما تفتقر إلى الموارد المالية والتنظيمية التي تسمح لها بخوض معارك انتخابية طويلة الأمد، ما يجعل أي تأجيل إضافي يشكل عبئاً عليها.

لكن المشكلة الأساسية في النقاش الذي دار حول تأجيل الانتخابات هي أن الاعتراض السياسي بقي في معظمه شكلياً أو إعلامياً. فلو كان الرفض جدياً وحقيقياً، لكان من الطبيعي أن يتحول إلى معركة سياسية من أجل إصلاح النظام الانتخابي نفسه، لا مجرد اعتراض على موعد الانتخابات.

على الأقل، كان من المفترض ببعض القوى التي أعلنت رفضها للتأجيل أن تطرح مطالب إصلاحية واضحة ومحددة. أول هذه المطالب هو تعديل قانون الانتخاب الحالي الذي أثبتت التجارب السابقة أنه مليء بالثغرات. فهذا القانون، رغم اعتماده النظام النسبي، ما زال يسمح بإعادة إنتاج الطبقة السياسية نفسها عبر آليات معقدة في توزيع الدوائر والصوت التفضيلي والتحالفات الانتخابية.

المطلب الثاني الذي كان يمكن أن يشكل عنوانا أساسيًا لأي معركة إصلاحية هو إقرار الميغاسنتر. فهذا المشروع طُرح منذ سنوات طويلة، ويهدف إلى السماح للناخبين بالاقتراع في أماكن سكنهم بدل اضطرارهم للانتقال إلى مناطق قيدهم. إقرار الميغاسنتر من شأنه أن يسهل مشاركة عدد كبير من الناخبين، خصوصاً الشباب الذين يعيشون ويعملون بعيداً عن مناطقهم الأصلية، كما يخفف من الضغوط السياسية والاجتماعية التي ترافق يوم الانتخابات في القرى والبلدات.

أما القضية الثالثة، فهي حق المغتربين اللبنانيين بالتصويت لـ128 نائباً. فالانتشار اللبناني يشكل قوة بشرية واقتصادية هائلة، وقد أثبت في الانتخابات الأخيرة أنه قادر على لعب دور مهم في الحياة السياسية اللبنانية. لذلك فإن أي محاولة لحصر تصويت المغتربين بستة مقاعد فقط تشكل تراجعاً عن حق ديمقراطي أساسي. من هنا كان من الطبيعي أن يكون الدفاع عن هذا الحق جزءاً أساسياً من أي موقف رافض لتأجيل الانتخابات.

غياب هذه المطالب الإصلاحية الجدية جعل النقاش حول التأجيل يبدو وكأنه مجرد سجال سياسي تقليدي بين القوى المختلفة، لا معركة حقيقية من أجل تطوير النظام الديمقراطي في لبنان.

في النهاية، يمكن القول إن تأجيل الانتخابات النيابية يعكس مرة جديدة أزمة النظام السياسي اللبناني الذي بات عاجزاً عن احترام استحقاقاته الدستورية أو تطوير قوانينه بما يواكب تطلعات اللبنانيين. فالانتخابات يجب أن تكون لحظة ديمقراطية لتجديد الحياة السياسية ومحاسبة السلطة، لا مناسبة إضافية للمساومات والتأجيلات.

يبقى السؤال الأهم: هل سيُستفاد من هذا الوقت الإضافي لإجراء إصلاحات حقيقية في النظام الانتخابي، أم أن التأجيل سيصبح مجرد محطة أخرى في مسلسل إدارة الأزمة اللبنانية بدل حلها؟

التجارب السابقة لا تدعو إلى الكثير من التفاؤل، لكن الضغط الشعبي والسياسي قد يبقى العامل الوحيد القادر على فرض تغيير حقيقي في المستقبل.