في عام 1942، وفي ذروة الحرب العالمية الثانية، أراد الجنرال ديغول أن يؤكد أن فرنسا الحرة شريك سياسي أساسي، وأن لها دور وموقع وازن في مرحلة ما بعد الحرب. لذلك قرر تعزيز المشاركة في المجهود الحربي ضمن قوى التحالف في مواجهة ألمانيا النازية. ومن ضمن هذه المشاركات، أرسل سربا جويا للقتال ضمن الجيش السوفياتي وتحت قيادته.
هذا السرب حمل اسم نورماندي - نيمين (Normandie–Niemen)، وشارك في عدة معارك جوية على الجبهة الشرقية وقدم شهداء، وما زال يُحتفل به سنويا ضمن ذكرى انتصار الحلفاء على ألمانيا. وقد تم تجميع هذا السرب من طيارين وميكانيكيين وفنيين في مطار رياق في البقاع، حيث انطلقوا منه بعد سقوط المطار بيد قوات فرنسا الحرة.
وكما أنها قد لعبت دورا تاريخيا، وإن كان بسيطا ومنسيا، في سياق الحرب العالمية الثانية، فإن رياق تستطيع أن تكون أيضا جزءا من الترياق وأن تلعب دورا مستقبليا اقتصاديا إنمائيا في سياق ما يمكن أن يُحضّر له على مستوى خطط المواصلات والإنماء الاقتصادي والصناعي.
يأتي هذا المقال الثالث استكمالا للمقال الثاني “قطار الحل وسكة الواقع - 2” (الذي تناول واقع الحال في قطاع سكك الحديد في لبنان وسوريا)، وذلك كأفكار أولية تستأهل التفكير فيما يمكن أن تكون عليه خطة إنماء سكك الحديد وتأثيرها الاقتصادي بشكل عام، وليس من الضروري أن تطبق في القريب من الأيام.
تاريخيا، كانت رياق تحوي محطة سكك حديد رئيسية، من ضمنها مركز صيانة قطارات كان يُعتبر في فترة من الفترات من الأكبر في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى المطار العسكري الذي تحدثنا عنه، والذي ما زال في خدمة القوات الجوية في الجيش اللبناني.
وبسبب موقعها المميز، كانت محطة رياق نقطة التقاء أساسية في شبكة سكك الحديد في لبنان. فهي تتوسط محور بيروت - دمشق، وتبعد عن بيروت نحو 60 كلم وعن دمشق نحو 70 كلم، ما جعلها نقطة التقاء بين الساحل والداخل، وبين الاقتصاد اللبناني وأبواب سوريا. هذا الموقع يمنحها قابلية لأن تتحول إلى مركز اقتصادي إنمائي.
كما تتوسط رياق محور البقاع الغربي - الجنوبي والبقاع الشمالي، وكانت أيضا محطة أساسية للسكة التي تنطلق منها شمالا باتجاه بعلبك - القاع نحو الحدود السورية، مرورا بحمص باتجاه حماة وحلب.
بموازاة محطة رياق، تلعب محطة مار مخايل - النهر في بيروت دورا مكملا، إذ تشكل نقطة التقاء بين خطين أساسيين: الخط الساحلي (الجنوب - بيروت - الشمال) وخط بيروت - رياق - دمشق مرورا بجبل لبنان.
ويجب الإشارة هنا إلى أن محطة مار مخايل تقع بمحاذاة مرفأ بيروت، سواء من جهة قسم البضائع أو من جهة المرفأ السياحي في القسم الغربي قرب قاعدة بيروت للجيش اللبناني.
ويضاف إلى ذلك قرب محطة شارل الحلو للنقل البري (للسيارات والباصات)، ما يعزز دور هذه المنطقة كمركز نقل أساسي على الواجهة البحرية لوسط بيروت. فاجتماع محطة مار مخايل للقطار، ومرفأ بيروت، ومحطة شارل الحلو للنقل البري يشكل مركز نقل متكامل يمكنه أن يخدم مجمل المناطق اللبنانية انطلاقا من بيروت.
إن موقعي رياق ومار مخايل، اللذين يتطلبان مقاربة جديدة متكاملة من ناحية التصميم والربط والميزة الوظيفية، يشكلان نقطتي ارتكاز لمشروع ظاهره مواصلات، لكن عمقه يتضمن خطة اقتصادية وتنموية.
أما بخصوص الشبكة، فبالإضافة إلى الخطوط الموجودة التي يتوجب إعادة تأهيلها، وفي كثير من الأحيان إعادة بنائها من الصفر، يمكن تطوير خطوط أو وصلات إضافية على الشكل التالي، مع الأخذ بعين الاعتبار من الناحية التشغيلية إمكانية أن تعمل الشبكة نهارا لنقل الركاب وليلا لنقل البضائع، ما يزيد من استخدام البنية التحتية، شرط أن تصمم السكك وفق معايير هندسية حديثة تسمح بالتشغيل المختلط وتتحمل أوزان الشحن.
الخط الساحلي
انطلاقا من محطة مار مخايل، يمتد الخط الساحلي جنوبا نحو صيدا وصور، وشمالا نحو جونية وطرابلس وعكار، ويجب أن يخدم المرافئ البحرية المخصصة للبضائع والسياحة: مرفأ بيروت، مرفأ طرابلس، مرافئ صيدا وصور، ومرفأ جونية السياحي.
كما يجب أن تربط محطة مار مخايل (والتجمع المتكامل معها، أي مرفأ بيروت ومحطة شارل الحلو) بمطار بيروت الدولي جنوبا وبمطار القليعات في عكار شمالا، بما يؤسس لربط متكامل بين المرافئ البحرية والمطارات والنقل البري عبر شبكة سكك حديثة.
وفي الإطار الصناعي وقطاع الطاقة، يمكن للخط الساحلي أن يخدم مصفاة البداوي في شمال لبنان في حال إعادة تأهيلها وتشغيلها الفعلي، بما يسمح بنقل المشتقات النفطية عبر السكك الحديدية بدلا من الاعتماد الحصري على الشاحنات.
أما في امتداده شمالا نحو سوريا، فبالإضافة إلى خط طرابلس - عكار - حمص الموجود تاريخيا، فيجب أن يكمل الخط الساحلي على طول الشاطئ ليلتقي بخط طرطوس - اللاذقية الموجود، مخدّما مرفأ طرطوس، مصفاة بانياس، مطار حميميم في ضواحي جبلة (في حال إعادة تشغيله كمطار مدني كما كان سابقا)، ومرفأ اللاذقية، ومنه الامتداد الموجود نحو حلب وتركيا.
أما في ما يتعلق بالتعديات على حرم السكة، ولا سيما في منطقة بيروت الكبرى، فيمكن معالجة هذه الإشكالية من خلال اعتماد السكة المرفوعة في بعض المقاطع، بما يحفظ المسار ويحد من الاحتكاك العمراني المباشر.
خط بيروت - رياق - دمشق
يقوم هذا الخط على محطتين أساسيتين كما ذكرنا: مار مخايل ورياق.
من مار مخايل إلى محطة رياق، المسافة التقديرية تقارب 60 كلم. غير أن المشكلة الرئيسية في هذا الرابط تكمن في جبل لبنان، بما يتضمنه من تدرج صعب صعودا ونزولا، إضافة إلى تأثره بعوامل الطقس، وبالتحديد الثلوج في فصل الشتاء.
الحل الأمثل لتأمين استمرارية عمل هذا الخط طوال السنة وتحويله إلى خط سريع ومستقر هو إنشاء نفق بطول تقريبي يتراوح بين 10 و15 كلم وصولا إلى مستوى سهل البقاع.
ولا يقتصر دور النفق على تسهيل حركة البضائع فقط، بل يفتح المجال أيضا أمام حركة يومية منتظمة للركاب واليد العاملة بين بيروت الكبرى والبقاع، من دون التأثر بحركة السير أو بالأحوال الجوية.
قد يبدو هذا المشروع مكلفا إذا نظرنا إليه بمنظار محلي مرتبط بميزانية الدولة اللبنانية. لكن إذا نظرنا إليه بعين أوسع، على أنه خط إقليمي استراتيجي يمكن أن تستثمر فيه دول أو شركات دولية ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وفي ظل وضع سياسي عام مستقر ومؤاتٍ، يصبح الأمر أكثر واقعية.
ولفهم نسبية الأرقام والتكاليف للنفق، يمكن الاستئناس هنا بمثال مشروع تطوير مطار دمشق الدولي، حيث توفرت مؤخراً الظروف المؤاتية وأُقرّ من خلال تحالف شركات دولية، وقد رُصد له مبلغ يقارب 4 مليارات دولار وهو رقم يتخطى التكاليف المتوجبة.
أما في رياق، ونظرا لموقعها كما ذكرنا، فبالإضافة إلى محطة القطار الرئيسية يمكن تحويل المطار القائم من مطار عسكري إلى مطار تخديم (Cargo) لشحن البضائع السريعة والمنتوجات الزراعية، وإنشاء مدينة صناعية حديثة مركزية يخصص جزء منها للصناعات الذكية، وإنشاء مرفأ جاف ومنطقة حرة.
المرفأ الجاف الذي هو منطقة لوجستية في الداخل (بعيدا عن البحر)، يعمل كمركز لتخليص البضائع جمركيا وشحنها عبر الشاحنات أو القطارات، ما يخفف الضغط عن مرفأ بيروت ويقربه من مراكز الحركة الاقتصادية البعيدة عن البحر والموانئ، مثل الداخل اللبناني وسهل البقاع ومدينة دمشق ومدينة حمص.
وتكمن أهمية هذا المرفأ الجاف في رياق في أنه سيكون بعيدا عن دمشق مسافة تقارب 70 كلم فقط، في حين إن المسافة التي تفصل دمشق عن أقرب مرفأ سوري (طرطوس) تقارب 240 كلم. وحتى في حال إنشاء مرفأ جاف بين محطة الشنشار والمدينة الصناعية في حسياء - حمص، فسيكون هذا المرفأ بعيدا عن دمشق بما لا يقل عن 110 كلم.
خط رياق - بعلبك - القاع - الحدود السورية
من ناحية هذا الخط فإن المرفأ الجاف في رياق سيكون يبعد نحو 140 كلم عن المنطقة الصناعية في حسياء-حمص، وهي المسافة نفسها تقريبا التي تفصل حسياء عن مرفأ طرطوس.
بالإضافة إلى الخط الموجود، من المهم استحداث خط جديد انطلاقا من رياق باتجاه البقاع الغربي، وذلك لربط كامل سهل البقاع (من الجنوب حتى الشمال)، لما لهذا الموضوع من أهمية في تخديم نقل الركاب، إضافة إلى دوره في نقل المنتجات الزراعية في سهل البقاع، ما يسهل وصول الإنتاج الزراعي إلى مراكز التخزين والتصدير، كما يساهم في تخديم المنطقة الصناعية والمرفأ الجاف المقترحين في رياق.
كما يمكن لهذا الخط أن يخدم محطة الركاب في حمص المدينة، ومنها المناطق الوسطى مثل حماة والمناطق الشمالية وصولا إلى حلب ومنها إلى تركيا.
ولا يقتصر دور هذا التجمع على البنية التحتية فقط ، بل يساهم أيضا في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي داخل لبنان والتخفيف من مركزية بيروت. فقرب رياق من مدينة زحلة يمكن أن يؤمن قاعدة للوظائف الإدارية والمالية (Back Office)، ما يعزز التكامل بين الإنتاج الصناعي والقطاعات الخدمية المواكبة.
هذا المشروع يمكن أن ينفذ بشكل تدريجي على سنوات، ضمن إطار رعاية إقليمية ودولية، ومن خلال تحالف اقتصادي إقليمي بين لبنان وسوريا بشكل أولي وفيما بعد مع الأردن، العراق وتركيا وذلك لتأمين الاستثمارات والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
قد تقابل فكرة إعادة إنماء سكك الحديد بشيء من عدم الجدية، نتيجة فقدان الثقة المحلية بقدرة الدولة على تنفيذ مشاريع كبيرة ومكلفة. إلا أن هذا الموضوع، في جوهره، وفي حال توفر اللحظة السياسية والاستقرار، هو حاجة ستترجم عاجلا أم آجلا بحكم المنطق .