سحر ضو

من الليطاني إلى المصنع… لبنان يدخل أخطر معركة جغرافية

5 دقائق للقراءة

في الحروب الكبرى، لا تُقاس الخطوات العسكرية بحجم القوة فقط، بل بالخرائط التي تسعى إلى تغييرها. وما يجري اليوم على الجبهة اللبنانية لم يعد مجرد تصعيد حدودي تقليدي، بل يبدو أقرب إلى محاولة مدروسة لإعادة ترتيب الجغرافيا العسكرية والسياسية للبنان تحت ضغط الميدان.

القرار الإسرائيلي الأخير بنقل فريق القتال التابع للواء جولاني من الجبهة الجنوبية إلى قيادة المنطقة الشمالية لا يمكن قراءته كإجراء تكتيكي عابر. فلواء جولاني ليس وحدة احتياطية تُنقل لتغطية ثغرة ميدانية، بل أحد الألوية القتالية الأكثر خبرة في العمليات البرية المعقدة. وقد جاء القرار بعد تقييم للوضع أجراه رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير بمشاركة كبار القادة العسكريين، في أعقاب التطورات المرتبطة بما تسميه تل أبيب عملية “زئير الأسد”.

الرسالة العسكرية واضحة: الجبهة الشمالية دخلت مرحلة مختلفة من الاستعداد العملياتي. فإسرائيل تتحدث صراحة عن تعزيز القيادة الشمالية وإمكانية الدفع بقوات إضافية تبعاً لتقييمات الميدان، في وقت تؤكد فيه أنها ستواصل العمل بقوة ضد حزب الله الذي تعتبره جزءاً من المواجهة الدائرة بدعم إيراني.

في المقابل، تشير المعلومات الميدانية إلى أن وحدات النخبة التابعة لحزب الله لا تزال متموضعة داخل شبكة الملاجئ والأنفاق العميقة جنوب الليطاني، مع تجهيزات عسكرية ولوجستية تسمح لها بتنفيذ عمليات خلف خطوط الجيش الإسرائيلي في حال حصول توغل بري. وهو ما يعيد التذكير بأن أي معركة برية في تلك المنطقة لن تكون نزهة عسكرية لأي طرف.

غير أن ما يلفت انتباه المراقبين ليس مجرد التحضير للمعركة، بل طبيعة التصور العملياتي الذي يبدو أن إسرائيل تعمل وفقه. فالمعطيات الدبلوماسية المتداولة تشير إلى أن أي تحرك بري محتمل لن يكون عملية محدودة الأهداف كما يجري تسويقه، بل جزء من تصور أوسع يسعى إلى تغيير التوازنات الميدانية في جنوب لبنان وشرقه دفعة واحدة.

السيناريو الذي يجري تداوله في الأوساط الدبلوماسية يتحدث عن تقدم بري بعمق يصل إلى نحو خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، يشمل مدينة صور وقضاءها وصولاً إلى خط القاسمية. وفي الوقت نفسه، يجري الحديث عن تحرك موازٍ ينطلق من سفوح جبل الشيخ باتجاه البقاع الغربي وراشيا، في عملية متزامنة تهدف إلى فصل الجنوب عن البقاع جغرافياً وميدانياً.

هذه الفكرة ليست مجرد مناورة عسكرية، بل تقوم على منطق استراتيجي واضح: تقسيم مسرح العمليات إلى مناطق معزولة يسهل التعامل مع كل منها على حدة. فالفصل بين الجنوب والبقاع يعني عملياً تفكيك التواصل الجغرافي بين القواعد العسكرية والشعبية لحزب الله، وتحويل مناطق نفوذه إلى كتل منفصلة يصعب عليها الحفاظ على خطوط إمدادها الداخلية.

الأكثر دلالة في هذه المعطيات هو الحديث عن محاولة السيطرة على الممرات البرية الممتدة من جنوب الليطاني وصولاً إلى خط المصنع على الحدود اللبنانية السورية. وإذا تحقق ذلك، فإن الأمر لن يكون مجرد تقدم عسكري، بل ضرب الشريان البري الأساسي الذي يربط لبنان بعمقه السوري، وهو ما يعني عملياً خنق خطوط الإمداد العسكرية واللوجستية التي يعتمد عليها الحزب.

في هذا السياق، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية أبعد من مجرد تأمين الحدود الشمالية. فتل أبيب، وفق هذه القراءة، تحاول استخدام الضغط العسكري لإحداث تغيير سياسي داخل لبنان نفسه. فحين تُفرض وقائع ميدانية بهذا الحجم، يصبح الداخل اللبناني أمام خيارين: إما التكيف مع واقع أمني جديد، أو مواجهة كلفة استمرار المواجهة في ظل اختلال واضح في ميزان القوة.

كذلك، فإن هذا السيناريو يندرج ضمن محاولة أوسع لضرب مفهوم “وحدة الساحات” الذي تتبناه طهران وحلفاؤها في المنطقة. فالفصل بين الجنوب والبقاع يعني عملياً تقويض فكرة الجبهة الداخلية المتصلة، وتحويلها إلى جغرافيا مفككة يصعب إدارتها كجبهة واحدة.

لكن ما يقلق الدوائر الدولية ليس فقط البعد العسكري، بل أيضاً التداعيات الإنسانية والاقتصادية المحتملة. فلبنان يعيش أصلاً أزمة اقتصادية خانقة، ويعاني أكثر من مليون شخص فيه من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي. وأي سيطرة عسكرية على الطرق البرية الرئيسية، خصوصاً طريق المصنع، قد تؤدي إلى خنق اقتصادي يطال البلاد بأكملها وليس فقط مناطق نفوذ الحزب.

أما على المستوى السياسي، فإن أي تقدم عسكري شمال الليطاني سيعني عملياً تجاوزاً للمعادلة التي أرساها القرار الدولي 1701 بعد حرب تموز 2006، واستبدالها بواقع ميداني جديد قد يفرض ترتيبات أمنية مختلفة تماماً.

لهذا السبب، تبدو المخاوف الإقليمية مشروعة. ففتح الجبهة اللبنانية بهذا الشكل، مع اقتراب العمليات من الحدود اللبنانية ـ السورية، قد يدفع الصراع إلى مستوى أوسع يتجاوز حدود لبنان نفسه.

في المحصلة، ما يجري اليوم لا يشبه مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن لبنان يقف أمام محاولة إعادة صياغة جغرافيته العملياتية تحت ضغط الحرب.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح السؤال الحقيقي أبعد من حدود المعركة:

هل ما يجري هو مجرد حرب جديدة على الجنوب… أم بداية مرحلة يُعاد فيها رسم موقع لبنان نفسه على خريطة المنطقة؟