في لبنان لم تعد المشكلة في السلاح وحده، بل في الدولة التي تتردد في حسم قرارها تجاهه. فمنذ عقود جرى تسييس المؤسسة العسكرية وإقحامها في توازنات السلطة، بدل أن تبقى مؤسسة سيادية مهمتها حماية الدولة وتنفيذ قراراتها. وهكذا تحوّل الجيش، في نظر كثيرين، إلى مؤسسة يُطلب منها الصمت باسم "الوحدة الوطنية"، فيما تُترك القرارات السيادية معلّقة بلا تنفيذ. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعاً: هل الجيش مؤسسة لحماية السيادة أم مؤسسة لإدارة التوازنات السياسية؟
لقد أعلن مجلس الوزراء أن النشاط العسكري لحزب الله غير شرعي وخارج إطار الدولة، وهذه خطوة شجاعة تعيد التأكيد على مبدأ السيادة الذي شوّهته منذ عقود معادلة السلاح الخارج عن الدولة منذ اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩.
لكن لبنان لا يستطيع أن يعيش داخل معادلة سياسية منقسمة على نفسها. دولة تعلن السيادة من جهة وتتردد في فرضها من جهة أخرى.
فالقرارات السيادية لا تُقاس بالإعلان بل بالتنفيذ.
لم يعد خافياً أن حزب الله تحوّل إلى الورقة الأخطر في يد ايران في صراعها الإقليمي. والأخطر أن هذه المعادلة تضع لبنان في مواجهة معنوية وأخلاقية مع الدول العربية التي احتضنت أبناءه لعقود. فدول الخليج التي فتحت أبوابها للّبنانيين للعمل والعيش الكريم تجد نفسها اليوم تحت تهديد صواريخ ونيران مرتبطة بالمحور نفسه الذي يستخدم الساحة اللبنانية كورقة ضغط.
كيف سيُنظر إلى لبنان إذا بقي عاجزاً عن وقف هذه الاستباحة لأرضه؟ وماذا تقول الدولة اللبنانية لهذه الدول التي احتضنت أبناءها عندما يُستخدم لبنان منصة ضغط في حرب تستهدفها؟
الحقيقة البسيطة أن سحب الورقة اللبنانية من يد إيران لا يحمي لبنان فقط، بل يكسر أيضاً منطق الابتزاز الإقليمي.
وهنا تظهر المسألة الجوهرية التي يجب أن تكون واضحة. لبنان ليس امتداداً لأي مشروع إقليمي. نحن لسنا جزءاً من إيران ولا من استراتيجيتها في المنطقة. نحن دولة اسمها الجمهورية اللبنانية، لها سيادتها وقرارها ومصالحها الوطنية. واستخدام أرض لبنان كورقة ضغط في صراعات الآخرين لا يحوّلنا إلى قوة إقليمية بل يحوّلنا إلى ساحة مستباحة.
لكن الأخطر من السلاح نفسه هو الخطاب الذي يحميه. فما نشهده منذ سنوات لم يعد مجرد دعاية سياسية عادية بل ما يمكن تسميته الهزيموية المنتصرة (Victorious Defeatism)، وهو مصطلح أطرحه لوصف هذه الظاهرة.
الهزيموية المنتصرة هي عقيدة سياسية تقوم على تحويل كل هزيمة إلى "نصر" عبر الإنكار والتكرار المستمر حتى يتعب المنطق وينسحب العقل من النقاش.
هذه المنظومة لا تهدف إلى الإقناع بقدر ما تهدف إلى إغراق النقاش بالضجيج، عبر جيوش إلكترونية وخطاب منسّق تُعيد الرواية نفسها بلا توقف مهما كانت الوقائع على الأرض.
وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل خطورة: لبنان لا يخسر فقط معركة السلاح، بل يكشف أيضاً عمق غياب القرار المؤسساتي.
منذ عقود يُطلب من اللبنانيين الصمت باسم حماية المؤسسة العسكرية. كلما طُرح سؤال حول دور الجيش قيل إن مجرد السؤال قد يؤدي إلى انهياره أو انقسامه. لكن التاريخ لا يمكن تجاهله.
فالجيش نفسه هو الذي وقّع اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩ في عهد الشهابية بعد مرحلة كانت فيها أجهزة الدولة قد سمحت عملياً بمرور السلاح الفلسطيني وقيام واقع مسلح خارج سيادة الدولة. وقد وثّق المؤرخ السياسي أ. أنطوان سعد هذه المرحلة في كتابه "مسؤولية فؤاد شهاب عن اتفاق القاهرة". ومنذ ذلك الحين تتكرر المعادلة نفسها. تتراجع الدولة ويتوسع السلاح خارج سلطتها بفعل التعطيل المنهجي للقرار السيادي، في مشهد أصبح أقرب إلى إدارة التعطيل الدائم داخل النظام السياسي.
اليوم يُقال للبنانيين إن الجيش لا يستطيع مواجهة سوريا ولا إسرائيل ولا حتى السلاح الخارج عن الدولة في الداخل. لكن المشكلة ليست في قدرة الجيش بقدر ما هي في القيود السياسية والطائفية التي كبّلت دوره ومنعته من أن يكون القوة السيادية التي يفترض أن تكون بيد الدولة وحدها.
السؤال الحقيقي إذاً ليس فقط ما الذي يستطيع الجيش أن يفعله، بل ما الذي يُسمح له أن يفعله. فالمؤسسة العسكرية دُفِعَت عمداً لسنوات إلى موقع إدارة التوازنات السياسية بدل أن تكون أداة سيادية لتنفيذ قرار الدولة.
المطلوب ليس إضعاف الجيش ولا التشكيك بدوره، بل العكس تماماً: تحريره من القيود السياسية والطائفية التي كبّلت عمله. فالدولة التي تريد استعادة سيادتها تحتاج إلى مؤسسة عسكرية مستقلة في قرارها المهني وقادرة على تنفيذ قرارات السلطة الشرعية من دون أن تبقى رهينة حسابات السلطة.
عندها فقط يصبح السؤال مختلفاً. ليس لماذا لا يتحرك الجيش، بل لماذا لم يُسمح له أن يتحرك أصلاً.
المطلوب واضح. أن يتحمّل مجلس الوزراء مسؤولياته كاملة وأن يضع قراره السيادي موضع التنفيذ، مع تفعيل دور المجلس الأعلى للدفاع لضبط المرحلة ومنع أي انزلاق أمني.
اليوم تقف الجمهورية اللبنانية أمام سؤال مصيري.
في هذه المنطقة جمهورية اسمها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
لكن هنا أيضاً توجد جمهورية خاصة بهذا الوطن، اسمها الجمهورية اللبنانية.
ولا يمكن لأي دولة أن تحمي سيادتها إذا بقيت مؤسساتها السيادية، وفي مقدّمها الجيش، رهينة التوازنات السياسية التي تعطل قرارها.
لبنان ليس جبهة متقدمة في حروب الآخرين ولا ورقة تفاوض في صراعاتهم.
هو دولة لها سيادتها وحدودها وقرارها الوطني. المعادلة في النهاية واضحة.
إما أن يكون القرار في بيروت،
أو أن يبقى في خدمة مشروع جمهورية أخرى.
ولا يمكن لجمهوريتين أن تحكما الأرض نفسها.