هشام بو ناصيف

الحكم اللبناني اختار الحرب

4 دقائق للقراءة

قد يبدو عنوان هذا المقال مفاجئًا باعتبار أنّ الحكم اللبناني يسعى حاليًّا للتفاوض مع إسرائيل. ولكنّ المصلحة اللبنانيّة كانت تقتضي منذ اليوم الأوّل للحكم الجديد أن نتفاوض مع إسرائيل كي لا نصل إلى هنا، لا أن ندع الميليشيا الشيعيّة توصلنا إلى ما وصلنا إليه، ثمّ نتفاوض. استطرادًا: كانت المصلحة اللبنانيّة تقتضي أيضًا أن تواجه الدولة الميليشيا عسكريًّا، ثمّ تطلب المساعدة من العالم كسلطة شرعيّة تواجه تمرّدًا عليها. لو فعل الحكم ذلك، لكان بإمكانه التعاطي مع الخارج من موقع الشجاع، المسؤول الذي يواجه تدخّلًا إيرانيًّا صارخًا بشؤونه، ويحقّ له طلب الدعم من المجتمع الدولي. أمّا اليوم، فنحن بموقع التلميذ الكسول الذي رسب بالامتحان، ثم رسب مجدّدًا، ثمّ جعل يرجو صاحب الشأن ألّا يعطيه علامة لاغية. 

لم يكن الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم قدرًا لا مفرّ منه. خطا الحكم اللبناني خطوة أساسيّة على طريق الحرب الحاليّة عندما اختار رودولف هيكل لقيادة الجيش. يمكن واحدنا أن يكتب مطوّلات عمّا كان ينبغي لهيكل أن يفعله، وتمنّع. سأكتفي بمثل واحد: أطلقت المحكمة العسكريّة سراح مسلّحي "حزب الله" بعد أيّام فقط من القبض عليهم لخرقهم قرار مجلس الوزراء. لم يكن هذا مفاجئًا لمن يتابع مسار المحكمة منذ سنوات، أو لمن يقرأ تغريدات قضاة سابقين فيها، بعد تقاعدهم من الجيش، على مواقع التواصل. ألم يكن بإمكان رودولف هيكل معالجة وضع المحكمة العسكريّة بحكم صلاحيّاته كقائد للجيش؟ الجواب أن طبعًا بإمكانه، بيد أنّه لم يشأ. ولكنّ هيكل شاء، بالمقابل، استقبال وفيق صفا في وزارة الدفاع، والتقاط صورة معه فيها ستلاحق قائد الجيش كما تلاحق جبران باسيل صورته الشهيرة وقذيفة "حزب الله" بين يديه. 

خطا الحكم اللبناني خطوة أخرى نحو الحرب بتعاطيه مع نبيه برّي منذ اللحظة الأولى كشريك العهد المدلّل، صاحب الكلمة النافذة، مع أن برّي لم يكن منذ سنوات، وليس هو اليوم، غير التابع المطيع الذي أمّن لـ "حزب الله" غطاء شيعيًّا ثمينًا، كمّل الغطاء المسيحي الذي أعطاه ميشال عون. حكم يحظى فيه برّي بما حظي به منذ سنة ونصف تقريبًا هو حكم غير جدّي بمواجهة "حزب الله"، وهو تاليًا حكم عبّد الطريق أمام الوضع الحالي. 

خطا الحكم خطوة إضافيّة صوب الحرب عندما تعاطى ببرودة مع القوى السياديّة بدل الاتّكاء عليها كحليف قوي بمواجهة السلاح. يذكر اللبنانيّون الغضب الرئاسي ضدّ "بخّاخي السم" المفترضين في واشنطن. ذنب هؤلاء أنّهم توقّعوا من العهد ألّا يكون خطاب القسم مجرّد خطاب. وعندما صار هؤلاء بموضع من يستحقّ التأنيب الرئاسي، وصار منظّرو حلف الأقليّات بموقع من يعطي الإشارة والنصح، ما كان بالإمكان أن تكون النتيجة غير ما كانت عليه فعلًا. 

حصل كلّ ذلك على خلفيّة تنظير لم ينقطع عن "الطائفة المجروحة" وضرورة مراعاتها؛ وعن أنّ سلاح الميليشيا الثقيل يمكن سحبه على أن يبقى معها سلاحها الخفيف، دع عنك أنّ السلاح "الخفيف" هو نفس سلاح الاغتيالات التي أدمت حياتنا السياسيّة منذ سنوات؛ ووعود بأنّ الجيش أتمّ سحب السلاح جنوب الليطاني ثبت لاحقًا أنّها لم تكن دقيقة؛ ورفض وضع مهلة محدّدة لسحب السلاح شمال الليطاني؛ ودفاع مستميت عن رودولف هيكل وصل إلى حدّ ربط أيّ انتقاد له بالتآمر على الجيش كمؤسّسة؛ والتمنّع عن قطع العلاقات مع إيران وطرد سفيرها من لبنان؛ والتمييز المصطنع بين جناح "حزب الله" السياسي، وجناحه العسكري. كلّ ما سبق ليس غريبًا عمّا وصلنا إليه، بل مهّد له. حكم التاريخ سيكون قاسيًا على من أعطي ظرفًا دوليًّا مناسبًا لم يتوفّر للبنان منذ هزيمة منظمّة التحرير عام 1982، وهدره.