يشكك الكثير من الخبراء الغربيين بإمكانية إسقاط النظام الإيراني عبر حملة عسكرية قائمة على الغارات الجوية حصرًا. ورغم عدم استبعاد الرئيس ترامب خيار اللجوء إلى قوات برية في إيران، فإن احتمال أن تشن أميركا حملة برية ضخمة على غرار ما فعلت في العراق ضئيل جدًا لكثير من الأسباب الداخلية والخارجية. لذلك، هناك احتمال وارد أن تتوقف الحرب ويبقى النظام الإيراني صامدًا، لكن أضعف من أي وقت مضى، ما يفتح المجال للمعارضين لتولّي مصيرهم بيدهم.
شدّدت واشنطن وتل أبيب مرارًا على أنهما تسعيان إلى "خلق الظروف المناسبة" للمعارضة الإيرانية كي تتمكّن من إطاحة النظام بعد انتهاء الحرب، وتترجمان هذه التصاريح على الأرض عبر استهداف قياديي ومقار وحواجز "الحرس الثوري" و "الباسيج" والشرطة، أي الأجهزة المسؤولة بشكل رئيسي عن المجازر التي ارتكبها النظام بحق شعبه الثائر في كانون الثاني الماضي، والتي أودت بعشرات الآلاف من الأبرياء.
لا يتمتع ملالي طهران بتأييد غالبية الشعب في الداخل الإيراني بطبيعة الحال، خصوصًا بعد تآكل شعبيّتهم بشكل هائل خلال العقد الأخير، لكنهم يمتلكون قاعدة صلبة تؤيّدهم بلا شك، وإلّا ما كانوا ليتمكّنوا من الصمود منذ 1979 حتى اليوم. وبما أن إيران تعدّ أكثر من 90 مليون نسمة، فإن حجم هذه القاعدة يبقى وازنًا، حتى ولو أنها أقلية. لذلك، في حال انتهت الحرب وبقي النظام وقرّرت المعارضة التحرّك لإطاحته، لا يمكن استبعاد احتمال نشوب حرب أهلية بين معارضي النظام ومناصريه، ما سيضع مستقبل الكيان الإيراني على المحك، ويفتح الاحتمالات أمام المكوّنات الإيرانية المختلفة لتقرير مصيرها.
إيران، مثل لبنان وسوريا والعراق، دولة متعدّدة الثقافات والأديان والأعراق واللغات، إذ يشكّل العنصر الفارسي فيها حوالى نصف السكان فقط، بينما يتوزع النصف الباقي بين الأذريين الذين يعتبرون ثاني أكبر إثنية ويشكّلون حوالى خمس السكان، والكرد الذي يمثلون حوالى 10 في المئة من المجتمع، واللور، والعرب، والبلوش، والتركمان، والبهائيين، والأرمن، واليهود، والأشوريين، وغيرهم من المجموعات الثقافية المختلفة.
تربط الفرس، الموزعين على مساحات واسعة في أنحاء إيران، والأذريين، المنتشرين بشكل أساسي في شمال غرب البلاد قرب المناطق الكردية، علاقة وطيدة على كافة المستويات ويشكّلون العنصرين الطاغيين في النظام الحالي، حيث كان المرشد الأعلى المقتول علي خامنئي نفسه يتحدّر من أب أذري وأم فارسية. للأذريين قواسم مشتركة كثيرة مع الفرس، فأنماط حياتهم متشابهة تقريبًا، وحصلت زيجات مختلطة كثيرة بينهم في المدن، كما إن الأذريين، شأنهم شأن معظم الفرس، هم في الغالب مسلمون شيعة. صحيح أن غالبية القاعدة الشعبية للنظام من الفرس والأذريين، بيد أن هناك شرائح واسعة من هاتين الإثنيتين مناوئة للجمهورية الإسلامية. يبقى من المستبعد أن يتحرّك الأذريون بشكل مستقلّ عن الفرس أو أن يحاولوا إنشاء حكم ذاتي خاص بهم.
في المقابل، لا يمكن القول الشيء عينه بالنسبة إلى الكرد والبلوش والعرب، الذين عانوا من الاضطهاد والاقصاء في عهدي الشاه والجمهورية الإسلامية، ولطالما رفضوا سلطة الدولة المركزية ومحاولات دمجهم قسرًا وإلغاء ثقافتهم، وشكّلوا قلقًا أمنيًا للسلطات المركزية.
لا تختلف طموحات الكرد الإيرانيين عن طموحات إخوتهم في العراق وسوريا وتركيا، المتمثلة بدولة مستقلّة أو منطقة حكم ذاتي. يعيش معظم الكرد الإيرانيين، الذين هم بغالبيّتهم من السنة، في شمال غرب إيران في موازاة الحدود الشمالية الشرقية للعراق، حيث تتمركز مجموعات كردية إيرانية مسلّحة في إقليم كردستان منذ سنوات وتسعى إلى اغتنام لحظة ضعف في قدرة النظام الإيراني على فرض سلطته على المناطق الكردية لتقتحم الحدود وتساهم مع الكرد في الداخل الإيراني بإقامة منطقة حكم ذاتي.
ورغم أن ترامب شجّع في بادئ الأمر تحرّك الكرد الإيرانيين في العراق ضدّ النظام الإيراني، عاد وتراجع عن تصريحاته، مؤكدًا أنه طلب منهم عدم التدخل لأن "الحرب معقدة كما هي بما فيه الكفاية... ولا نريد أن نرى الكرد يُقتلون أو يتعرّضون للأذى". ولكن، بعد نهاية الحرب، من المرجّح ألّا يبقى الكرد على الحياد، ومن المستبعد ألّا تدعمهم أميركا في حال قرّروا التحرّك.
أما بالنسبة إلى البلوش، فإنهم يعيشون في المناطق قرب الحدود بين أفغانستان وباكستان وإيران ويعتنقون المذهب الإسلامي السني، ولطالما شكّلت مناطقهم في البلدان الثلاثة معضلة أمنية للسلطات المركزية ومنطلقًا وممرًا للتهريب على أنواعه. يسعى البلوش الإيرانيون، الذين يعيش معظمهم في جنوب شرق البلاد، إلى حكم أنفسهم، كما إنهم يتمتعون بدعم من إخوتهم البلوش في باكستان وأفغانستان، ما قد يسمح لهم بالتحرّك ضدّ النظام وفرض حكم ذاتي في مناطقهم بعد الحرب، الأمر المرجّح أن يحصل. ومن المستبعد أن تقمع واشنطن أي تحرّك محتمل للبلوش، إلّا أنه من الممكن جدًا ألّا تدعمهم كما قد تدعم الكرد، نظرًا لاعتناق الكثير من مجموعاتهم المسلّحة أفكارًا إسلامية متطرّفة.
أخيرًا، يعيش العرب الإيرانيون، الذين يضمّون غالبية شيعية وأقلية سنية، في خوزستان القريبة من مناطق أخرى تضمّ إثنية اللور، في غرب إيران. كما ينتشر العرب في المنطقة الساحلية في جنوب غرب البلاد، إضافة إلى بعض الجزر في الخليج. وتشير التقديرات إلى أن ما بين 70 و80 في المئة من إنتاج إيران النفطي يأتي من حقول تقع في محافظة خوزستان أو بالقرب منها، كما تضمّ المنطقة منشآت طاقة رئيسية، مثل مفاعل بوشهر النووي وموانئ النفط على الخليج. على عكس الكرد والبلوش، من الصعب توقع مدى احتمال حصول تحرّك عربي موحّد ضدّ النظام الإيراني، إذ إن عوامل وتطوّرات داخلية وخارجية مختلفة قد تؤدّي دورًا في تحفيز أي تحرّك محتمل من عدمه، علمًا أن العرب عانوا من التمييز على مدى عقود.