المخرج رمال أبي يونس

من جحيم الحرب الى جحيم الأسعار

نار الحرب والجوع تجمع سوريا ولبنان في خندق واحد

6 دقائق للقراءة

ما يجري اليوم على الحدود اللبنانية السورية ليس مجرد حركة عبور، بل مشهد إقليمي مكثّف تختلط فيه الحرب بالفقر، والخوف بالجوع، والعودة القسرية بانهيار القدرة على العيش. يرتفع يوميا عدد العائدين من لبنان إلى سوريا بشكل حاد، والأمم المتحدة ذكرت أن عدد من عبروا في يوم واحد قفز إلى 10,629 شخصاً، ومعظمهم من السوريين، بينما تحدّثت تقارير ميدانية عن مشاهد طرق مكتظة بالسيارات والناس الهاربين من القصف. وفي الوقت نفسه، بلغ عدد النازحين داخل لبنان نحو 700 ألف في 9 مارس، ثم تجاوز 800 ألف بعد أيام قليلة، في بلد بالكاد كان يلتقط أنفاسه من أزمته المالية أصلا.

هؤلاء لا يعودون إلى الاستقرار، بل إلى اقتصاد يترنّح تحت وطأة الغلاء والانهيار. فهذه ليست عودة طبيعية إلى الوطن.

هذه عودة تُدفع إليها العائلات دفعاً، تحت ضغط النار. السوري الذي لجأ إلى لبنان هرباً من حرب سابقة، يجد نفسه اليوم يهرب من حرب جديدة إلى بلد لم يتعافَ أصلاً من خراب الحرب الأولى. كأن المنطقة كلها تحوّلت إلى غرفة ضيقة يتنقّل فيها الناس من زاوية الخوف إلى زاوية الجوع، من قصف إلى قلق، ومن نزوح إلى نزوح.

 

في لبنان، المأساة ليست عسكرية فقط. الحرب وقعت على مجتمع منهك أصلاً والحرب التي تضرب البلاد لا تسقط القنابل فقط، بل تسقط معها ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال. فلبنان الذي يعيش منذ سنوات تحت ثقل الانهيار الاقتصادي يواجه اليوم ضربة جديدة، في وقت ترتفع فيه الأسعار بشكل جهنمي. خاصة في شهر رمضان وعلى أبواب العيد، تحوّلت إلى ساحة صراع يومي بين الناس والغلاء.
أسعار اللحوم والخضار والمواد الأساسية ترتفع بلا رحمة، والقدرة الشرائية لمعظم اللبنانيين باتت شبه معدومة. عائلة كاملة تحتاج إلى ميزانية ضخمة لتأمين الحد الأدنى من الطعام، فيما الحرب والقلق الأمني يضغطان أكثر على الأسواق وعلى النفوس معاً والمواطن اللبناني لم يعد يخشى فقط القصف في السماء، بل يخشى أيضاً فاتورة السوبرماركت على الأرض.

الصندوق النقد الدولي قال في فبراير 2026 إن الاقتصاد اللبناني أظهر بعض الصمود، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن استعادة النمو تتطلب إصلاحات شاملة، أي أن البلد ما زال يعيش فوق أرض غير مستقرة أي رخوة اقتصادياً، لا فوق قاعدة صلبة. كما أن تقديرات الأمن الغذائي لشهرَي فبراير ومارس 2026 تشير إلى أن ضعف القدرة الشرائية واستمرار تضخم أسعار الغذاء ما زالا يقوّضان الوصول إلى الطعام في لبنان. هذا يعني ببساطة أن أي صدمة أمنية جديدة لا تضرب فقط الأبنية والطرقات، بل تضرب أيضاً ما بقي من قدرة الناس على شراء الخبز والدواء والوقود.

أما في سوريا، فالصورة ليست أقل قسوة. رويترز وصفت في يناير 2025 الاقتصاد السوري بأنه مدمّر بعد أكثر من عقد من الحرب والعقوبات والعزلة المالية. ومع التصعيد الإقليمي الحالي، عادت أسعار الغذاء والوقود إلى الارتفاع في المنطقة كلها، وحذّر برنامج الأغذية العالمي قبل أيام من أن ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة يهدد بدفع مزيد من الناس نحو الجوع.

وفي الأسواق السورية تحديداً، رصدت تقارير حديثة قفزات حادة في أسعار الخضار خلال أسبوع واحد. فوجبة غداء متواضعة في سوريا باتت تقترب من 100 الف ليرة سوري وهو رقم صادم إذا ما قورن برواتب الموظفين التي بالكاد تكفي ثلاث وجبات في الشهر وفق التقارير المحلية.

فالليرة السورية التي تحاول التماسك عند حدود ال 11800 ليرة للدولار في السوق الموازية وقرابة ال 11000  ليرة رسميا. فقدت عملياً قدرتها الشرائية. فالأرقام قد تبدو مستقرة على الورق، لكن الواقع في الأسواق مختلف تماماً؛ الأسعار تتصاعد بسرعة، والناس يكتشفون كل يوم أن ما كان يكفي بالأمس لم يعد يكفي اليوم.

الأسباب ليست خفية فالإنتاج النفطي في سوريا لا يتجاوز 15 الف برميل يوميا بينما تحتاج البلاد الى نحو 120 الف برميل يوميا هذا العجز الضخم جعل المازوت والغاز سلعتين نادرتين، ورفع تكاليف النقل والشحن بشكل هائل. والنتيجة كانت مباشرة في الأسواق: ارتفاع أسعار الخضار والمواد الغذائية بنسبة وصلت إلى 50% خلال فترة قصيرة وهذا مؤشر خطير جدا.

هنا تكمن القسوة الحقيقية في ما يجري: العائدون إلى سوريا لا يعودون إلى الاستقرار، يهربون من صواريخ السماء في لبنان ليصطدموا بغلاء الأرض في سوريا. لا يعودون إلى دولة جاهزة لامتصاص الصدمة، بل إلى سوق مرهقة، ووقود مكلف، وفرص عمل محدودة، ودولة ما زالت تدير الأزمات أكثر مما تدير التعافي. وحتى مع التحركات الرسمية لضبط الأسواق أو حماية المستهلك، فإن المنطق الاقتصادي أقسى من البيانات، لأن الغلاء حين يرتبط بالنقل والطاقة واضطراب الإقليم، يصبح وحشاً يتغذى كل يوم على جيوب الفقراء.

لبنان وسوريا اليوم ليسا بلدين منفصلين في هذه المأساة، بل مرآتين متقابلتين. في لبنان، الحرب تلتهم ما تبقّى من اقتصاد. وفي سوريا الاقتصاد المنهك يبتلع من يعودون من الحرب. الأول ينزف نزوحاً ودماراً، والثاني يستقبل العائدين بأسواق محترقة الأسعار. وبينهما، تقف عائلات كاملة في المنتصف، لا تسأل عن الجغرافيا ولا عن الشعارات، بل عن شيء أبسط بكثير: أين نعيش؟ وبماذا نأكل؟ وكيف نحمي أولادنا؟ وكأن هذه العائلات شاهدة حيّة على زمن عربي قاسٍ، زمن صار فيه الطريق إلى البيت أطول من الحرب نفسها.

الحدث اليوم يقول شيئاً أبعد من مجرد أزمة إنسانية. إنه يكشف حجم الانهيار الذي يضرب المنطقة بأكملها. لبنان الذي كان يوماً مركزاً للحياة والتجارة في الشرق، أصبح اليوم يقاتل للبقاء وساحة مفتوحة للقصف والانهيار ولم يعد يحتمل حرباً فوق أزمته ، وسوريا التي كانت قلباً اقتصادياً مهماً في المنطقة لم تعد تحتمل جوعاً فوق حطامها وهي تحاول إدارة أزمة طويلة بدلاً من أن تبدأ فعلياً طريق التعافي.

والأخطر من ذلك أن المعابر بين الدولتين كشفت فشل السياسات والحروب والصراعات التي دفعت شعوب المنطقة إلى هذا المصير. فشلت في أهم امتحان: حماية الإنسان قبل حماية الحسابات. فالدولتين شرايين لأزمة واحدة. فحين يصبح النزوح هو الحل الوحيد، وحين تتحول العودة إلى الوطن إلى مغامرة مع الجوع، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد عابرة، بل أصبحت بنيوية تضرب عمق الدولة والمجتمع. فكل سيارة تعبر، وكل أم تحمل طفلاً، وكل رجل يجرّ ما تبقى من عمره على الطريق، يقول الحقيقة نفسها: المنطقة لا تنتج اليوم حلولاً، بل تنتج بشراً مطرودين من الأمان. وإن لم تتوقف اعاصير النار، وتُفتح مسارات جدية للحماية والإغاثة والاقتصاد، فإن المعابر ستبقى مزدحمة، لا بالعابرين فقط، بل بالخذلان والإنكسار أيضاً

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح...
المنطقة لا تعيش فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل أزمة معنى. أزمة نظام إقليمي سمح للحروب أن تستمر سنوات، وللاقتصادات أن تنهار، وللإنسان أن يصبح الحلقة الأضعف دائماً.

واليوم المنطقة دخلت مرحلة جديدة من القسوة. فنار الحرب والغلاء والإنهيار لا ترحم في لبنان، ونارالغلاء لا ترحم في سوريا.

وبين هذه النيران يقف اللبناني والسوري، وكل منهما يحمل عائلته وذكرياته وما تبقى له من عمر، ويبحث فقط عن حياة بسيطة كريمة تصون كرامته. حياة رغم بساطتها لم تعد للأسف أمراً بسيطاً في هذا الشرق.