بينما تعيش دول منطقة الشرق الأوسط برمّتها على إيقاع تطوّرات الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضدّ إيران، وتترقب ما سيتمخض عنها من ارتدادات استراتيجية ستعيد بلا شك رسم التوازنات الإقليمية وربّما الدولية، تمضي الدولة العبرية في تنفيذ أجندتها الأمنية والعسكرية في قطاع غزة المنكوب والضفة الغربية والقدس على حدّ سواء، مستفيدة من تراجع الاهتمام الدولي في الوقت الراهن بالساحة الفلسطينية، كما من غياب التغطية الإعلامية للتطوّرات هناك.
لطالما انشغل الإعلام العربي كما الغربي بالتطوّرات المستجدّة، التي تحظى بتغطية إعلامية شبه كاملة، على حساب تطوّرات أخرى سابقة قد تكون أكثر أهمية ولها ارتدادات كبيرة على دول المنطقة، لكنها تمسي على هامش حسابات الصحافة العالمية، بحكم أن حدثًا جديدًا طرأ على المشهد الإعلامي، وكيف إذا كان هذا الحدث يرقى إلى مستوى الحرب الضروس الدائرة بين نظام الملالي في طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية، والتي تُنذر بإعادة رسم خريطة المنطقة بالحديد والنار.
في قطاع غزة الذي أضحى "أثرًا بعد عين" بفعل الحرب الإسرائيلية المدمّرة عليه، والتي استحالت إبادة جماعية بحق الغزيين "الرهائن"، المتأرجحين بين "مطرقة" إجرام رئيس الحكومة الإسرائيلية اليمينية بنيامين نتنياهو و "سندان" رعونة قادة حركة "حماس"، لم تستكن آلة الحرب الإسرائيلية مع انطلاق الحرب ضدّ إيران، بل اقتنص صناع القرار في تل أبيب لحظة التلهّي الدولي بالحرب الإيرانية للانقضاض على الفلسطينيين، والمضي قدمًا في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، والتسبّب في مقتل وجرح مزيد من الغزيين، كذلك ليفرملوا خطة ترامب للسلام في غزة، في مرحلتها الثانية، والتي اصطدمت بمعوقات ميدانية كبيرة.
لم تكتفِ الدولة اليهودية بذلك، بل استغلّت انشغال العالم بالحرب على حساب مأساة الغزيين، لتعيد فرض قيود مشدّدة على إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع شبه الجائع، حيث صنفت تقارير أممية ووكالات إنسانية الوضع الإنساني في غزة بأنه بات يقترب من مستويات كارثية، خصوصًا أن ما يربو على مليوني غزي يعوّلون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والماء والرعاية الصحية.
في الضفة الغربية المقطّعة الأوصال، برز بالتزامن مع الحرب ضدّ إيران، نمو مطّرد في اعتداءات المستوطنين المتطرّفين ضدّ الفلسطينيين العُزّل. وفي هذا الإطار، أشارت تقارير منظمات حقوقية إلى ارتفاع وتيرة هجمات المستوطنين المنظمة على القرى الفلسطينية، واتهمت السلطات الإسرائيلية بمواصلة سياسة "غض الطرف" عن تلك الانتهاكات، لا بل إن الجيش الإسرائيلي لطالما واكب المستوطنين خلال ارتكاباتهم بحق فلسطينيي الضفة.
وما يزيد خطورة الموقف الميداني في الضفة، سعي صقور حكومة اليمين الإسرائيلي الحثيث للمضي في المشاريع الاستيطانية التوسّعية، من خلال سن تشريعات وفرض أمر واقع على الأرض، بغية تعزيز السيطرة الإسرائيلية على كامل أراضي الضفة الغربية، تمهيدًا لضمّها بشكل كامل إلى الأراضي الإسرائيلية. أمّا في القدس التي تتسم برمزية دينية كبيرة، ورغم أجواء شهر رمضان، عمدت السلطات العبرية، منذ اندلاع الحرب ضدّ إيران، إلى إغلاق المسجد الأقصى ومنع المصلّين من الوصول إليه.
من كلّ ما تقدّم، يظهر جليًا أنه في اللحظة الإقليمية والدولية الحرجة، التي تُخاض فيها حرب طاحنة ضدّ إيران في محاولة لاقتلاع نظامها العليل من جذوره، انصبّ اهتمام العالم برمّته على هذه الحرب التي قد تضحي إقليمية، وبالتالي تراجع الاهتمام بما يدور في غزة والضفة والقدس. وبذلك خفت بريق التغطية الإعلامية كما الضغوط السياسية، ما منح الدولة العبرية هامشًا أوسع للتحرّك ولتكريس وقائع ميدانية جديدة تصبّ في مصلحتها في المدى البعيد.