لم أتخيّل يومًا أنني سأشاهد أبا عباس في الطريق الجديدة من جديد. ظننت أن صفحة الحرب الماضية قد طُويت، وأن الجيش اللبناني بدأ حصر السلاح بأيديه بالفعل، وأن أبا عباس عاد إلى الجنوب، وأن ملاقاته من جديد لن تحصل إلّا من خلال توجّهي إلى الجنوب وزيارته في بيته.
إلّا أن ذلك كله لم يحصل: عاد أبو عباس ليجلس في المقهى عندنا على الكرسي نفسه، ليشاهد الأخبار العاجلة ويضرب كفًا بكف، وعادت الحرب من جديد من دون أن يقوم الجيش بحصر أي شيء بيده (لا سلاح ولا غير سلاح).
عاد أبو عباس نازحًا لدى ابنته بتول، المتزوجة من ابن الطريق الجديدة، ولولا "العيب والحيا" والتأكد من أن أبا عباس فاته الدهر ويستحيل أن يكون قياديًا في "الحزب" أو عنصرًا غرًا، لما استقبله صهره. وذلك تحاشيًا للوشوشات من أهالي المنطقة الخائفين من التبعات الأمنية وعواقب احتضان أفراد "الميليشيا غير القانونية" (على ذمة الحكومة... ما أني). إذ تكاد تخلو المنطقة اليوم من مظاهر النزوح، بخلاف الحرب الفائتة.
يأتي أبو عباس إلى المقهى كل صباح، فيطلب ركوة قهوة مُرّة من الساقي (أحمد) برغم أننا في رمضان. فأبو عباس لا يصوم أيام الشهر الفضيل ويعتبر أنه يحمل إجازة "غير مقيم". أي أنه في حالِ ترحال وتنقلٍ بعيدًا من بيته، وهذا يجيز له بحسب المذهب الشيعي، عدم الصوم.
يجلس أبو عباس على ذاك الكرسي القش إياه، المواجه للتلفاز ويبدأ معاينة الأخبار وإطلاق التصريحات حينًا، أو ضرب كفٍ بكف، حينًا آخر وكلما وَرَد خبر عن استهداف قريته.
خلال الحرب الفائتة، كان أبو عباس يضبط التلفاز على قناة "المنار"، على الرغم من أنه في قلب الطريق الجديدة. روّاد المقهى كانوا يتساهلون في أغلب المرات مع وقاحة أبي عباس. لكن هذه المرة، لم يعد صوت الإعلام الحربي في "المنار" يصدح بعد أن أسكته صاروخ إسرائيلي وُجه إلى مبنى المحطة مع انطلاق الحرب التي بدأها "الحزب" ثأراً لخامنئي.
يقول أبو عباس اليوم: "حطّوه وين ما بتريدوا"... فقد استسلم أبو عباس ولم يعد بالحماسة نفسها، وتبدو عليه ملامح الانكسار.
تقدمت منه أمس، وضعت الكرسي بقربه وجلست، ثم سألته: "طمّني أبو عباس... شو شايف؟". بلع أبو عباس أنفاسه لهنيهات، ثم التَفَتَ صوبي، وقال: "هالمرة يا أبو زهير غير كل المرات... شكلنا مش رح نرجع على الجنوب".
لمَست الحسرة تخرج من حنجرته. حزنت لحزنه لكن حزني كان ممزوجًا بشيء من الغضب. بالغضب ضده وعليه. صرخت في وجهه: "يعني مبسوط بكل شي صابك وعم يصيبك؟ ليش ما بترفع الصوت؟ شو ناطرين ما تقلبوا الطاولة على كل مين خَرَب بيوتكم؟".
صمت أبو عباس لثوانٍ، وكأنه كان يفكّر في العواقب، ثم قال: "أنا جاهز يا أبو زهير بس هني يبلشوا وأنا خلفهم... دغري بشلح الأصفر وبلبس الأخضر"، ملمحًا من خلال هذه الجملة، إلى جهوزيته ليكون من أتباع "حركة أمل" والرئيس نبيه برّي.
سمعت تلك الجملة وتبسّمت. بل ضحكت، وتقهقهت. ليس للتشبيه الفكاهي الذي أطلقه أبو عباس فحسب، وإنما لسريالية المشهد، وللضنك الذي وصلت إليه الطائفة. التفتت إلى أبي عباس وقلت له: اليوم ليلة القدر، فأدعُ لعلّ أبواب السماء مفتوحة في هذه اللحظة، فيُلهم الله عز وجلّ أبا مصطفى إلى حسن السبيل قبل الختام.