ما يجري بين إيران وأميركا ليس تخبطاً عابراً، بل انتقال قاسٍ من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة فرض الكلفة. الضجيج كثير، والتصريحات متناقضة، والتسويق يحاول أن يحوّل كل ضربة إلى انتصار، وكل تراجع إلى مناورة. لكن خلف هذا الغبار يظهر مسار واضح: واشنطن لم تعد تقبل بتفاوض مفتوح بلا نتيجة، طهران لم تعد قادرة على شراء الوقت كما في السابق، إسرائيل تحاول ترجمة اللحظة إلى وقائع أمنية، ولبنان يُدفع نحو سؤال لا يمكن تأجيله: هل يبقى ساحة في مفاوضات الآخرين، أم يعود دولة تفاوض باسم نفسها؟
إيران اليوم لا تفاوض من موقع صعود، بل من موقع منع السقوط. كانت تستعمل النووي لرفع السقف، والوكلاء لتوسيع الضغط، والممرات البحرية لتذكير العالم بأن استقرار المنطقة يمر عبر رضاها. أما الآن، فالوقت لم يعد يعمل لمصلحتها. كلما طال الاشتباك، زادت كلفة الداخل الإيراني، وتآكلت صورة الردع، وتحول الوكلاء من أوراق قوة إلى أعباء سياسية وأمنية على الدولة الإيرانية نفسها.
هذا لا يعني أن إيران فقدت القدرة على التأثير. ما زالت قادرة على الإيذاء وتهديد الملاحة وتحريك الساحات ورفع سعر أي تسوية. لكنها تواجه فرقاً جوهرياً بين القدرة على التعطيل والقدرة على الانتصار. تستطيع أن تجعل المنطقة قلقة، لكنها لم تعد قادرة بسهولة على فرض شروطها القديمة. وكل ردّ لا يفتح باباً سياسياً يتحول إلى خطوة إضافية في طريق الإنهاك.
أميركا، في المقابل، لا تبدو ذاهبة إلى حرب احتلال أو مغامرة مفتوحة. ترامب لا يريد نموذج العراق، لكنه يريد صفقة بشروط القوة لا تفاهمات رمادية تسمح لإيران بالتقاط أنفاسها وإعادة بناء أوراقها. لذلك تأتي الضربات الأخيرة كرسالة مزدوجة: إما تفاوض تحت ضغط جدي، أو ضغط متدرج بلا تفاوض مريح. لم تعد واشنطن تكافئ تهديد النفط والملاحة وتحريك الوكلاء بمزيد من الوقت.
هنا يدخل لبنان في قلب المشهد لا على هامشه. فالمسار اللبناني ـ الإسرائيلي، من اتفاق الإطار إلى جولة روما المنتظرة في 15 و16 تموز، ليس تفصيلاً حدودياً معزولاً عن المواجهة مع إيران، بل أحد وجوهها المباشرة. فالكلام عن الانسحاب من نقاط في الجنوب لا ينفصل عن شرط الضمانات الأمنية، وانتشار الجيش اللبناني، ومنع عودة حزب الله إلى البنية العسكرية جنوباً. جوهر هذا المسار ليس وقف نار فقط، بل إعادة تعريف السلطة في الجنوب: الجيش اللبناني لا حزب الله، الدولة لا السلاح الموازي، والقرار الشرعي لا قرار المحور.
لهذا رفض حزب الله اتفاق الإطار بحدة، لأنه فهم الرسالة الحقيقية: المطلوب ليس تهدئة مؤقتة تسمح له بالتقاط أنفاسه، بل بداية نقل لبنان من منطق الساحة إلى منطق الدولة. روما، بهذا المعنى، ليست جولة بروتوكولية، بل امتحان سياسي لقدرة الدولة اللبنانية على تحويل الضغط الدولي إلى فرصة سيادية، لا إلى غطاء جديد لإدارة الأزمة القديمة.
إسرائيل تبدو ذاهبة إلى روما وهي تسعى إلى ضمانات لا عبارات إنشائية. الأرجح أنها ستربط أي انسحاب بانتشار فعلي للجيش وبآلية تمنع إعادة بناء حضور حزب الله جنوباً. أما لبنان الرسمي، فسيذهب مثقلاً بتناقضه الكبير: يريد استعادة الأرض والسيادة، لكنه لا يزال محكوماً بوجود قوة مسلحة تنازع الدولة حق القرار. وواشنطن تبدو أقرب إلى التعامل مع روما كحلقة من هندسة أوسع: تقليص نفوذ إيران من دون الغرق في حرب شاملة، وتحويل الضغط العسكري إلى ترتيبات سياسية قابلة للمراقبة.
هل سينفذ اتفاق الإطار؟ الواقعية تقول إنه لن ينفذ دفعة واحدة، لكنه لن يسقط بسهولة أيضاً. نحن أمام تنفيذ متدرج تحت الضغط، لا أمام سلام كامل. قد نشهد انسحابات إسرائيلية محدودة ومشروطة، انتشاراً أوسع للجيش، رقابة أميركية ودولية أشد، وضغطاً سياسياً ومالياً متزايداً على حزب الله لإجباره على الانكماش. هذا ليس نهاية الأزمة، لكنه بداية إخراجها من يد من اعتادوا إدارتها خارج الدولة.
الأهم أن كفة الميزان لم تعد تميل لمصلحة المحور كما كان يروّج. حزب الله عاش طويلاً على فائض قوة إيراني. اليوم يجد نفسه أمام نقص قوة إيراني. كان يقول إن سلاحه يحمي لبنان، فإذا بالسؤال ينقلب: من يحمي لبنان من كلفة هذا السلاح؟ وكان يقول إن المحور يردع إسرائيل، فإذا بإسرائيل تفاوض من موقع من يحاول فرض الشروط الميدانية. أما الدولة التي سعى إلى إضعافها طويلاً، فيعود اليوم إلى الاحتماء بها كي تفاوض عنه وتخفف عنه أثمان المواجهة.
وسط ذلك، سيستمر خطاب الممانعة في صناعة الضباب: مرة يتحدث عن انتصار، ومرة عن مؤامرة، ومرة عن رفض الإملاءات، ومرة عن تفاوض غير مباشر عبر الدولة. لكن هذا الضباب لم يعد يخفي الحقيقة. انتهى زمن أن تشعل إيران الجبهات ثم تفاوض على أرباحها. وانتهى زمن أن يدفع لبنان ثمن حرب لا يقررها ثم يُطلب منه أن يسمي الخراب صموداً.
لن نصل غداً إلى خاتمة نهائية. الأرجح أننا أمام مرحلة “تصعيد تفاوضي”: ضربات محسوبة، رسائل قاسية، وسطاء، جولات تفاوض، وتسويات جزئية تُباع للجمهور بأسماء كبيرة. لكن الاتجاه واضح داخل عدم الوضوح: ربط الانسحاب الإسرائيلي بتثبيت سلطة الدولة، وربط استقرار لبنان بتقليص سلاح حزب الله، وربط أي تسوية إقليمية بتراجع قدرة إيران على استعمال الساحات العربية كأوراق تفاوض.
لبنان أمام لحظة نادرة وخطرة. إذا أحسن استخدام اتفاق الإطار وجولة روما، يستطيع أن يحوّل الضغط الخارجي إلى فرصة داخلية لاستعادة القرار. وإذا هرب مجدداً إلى لغة الخوف والذرائع والتوازنات الميتة، فسيبقى معلقاً بين احتلال لا ينسحب، وسلاح لا يخضع، ودولة لا تُعامل بجدية لأنها لا تنفذ قراراتها.
الخلاصة أن المنطقة لا تدخل سلاماً كاملاً، لكنها تغادر زمناً قديماً. زمن المحور الواثق يتراجع. زمن الساحات المفتوحة يضيق. وزمن الدولة اللبنانية المؤجلة لم يعد قابلاً للتمديد بلا ثمن. روما لن تكون الخاتمة، لكنها قد تكون بداية الامتحان الحقيقي: هل يذهب لبنان إلى الطاولة كدولة، أم يبقى بنداً في دفتر الآخرين؟