الدكتور سايد حرقص

قراءة في الحرب الحالية

4 دقائق للقراءة

لفهم ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، لا يكفي النظر إلى التطورات العسكرية وحدها، بل لا بدّ من فهم قواعد لعبة الشطرنج الاستراتيجية التي كان النظام الإيراني يديرها مع صانعي القرار في واشنطن. ثلاثة كتب تساعد على إضاءة هذه الرؤية بوضوح: «قوة التفاوض» لعباس عراقجي، و«الاستراتيجية الكبرى لإيران» لفالي نصر، و«صمود الدبلوماسية» لمحمد جواد ظريف. فهذه الكتب تكشف أن السياسة الإيرانية تقوم على عقيدة استراتيجية متماسكة تجمع بين الصبر الطويل، وتوظيف النفوذ الإقليمي، واستخدام دبلوماسية المفاوضات كأداة من أدوات الصراع.

في كتابه «قوة التفاوض» يوضح عباس عراقجي أن التفاوض في السياسة الدولية ليس بديلاً عن القوة، بل امتداداً لها. فالدولة التي تدخل المفاوضات من موقع قوة تستطيع أن تستخدم الوقت والصبر كوسيلة لاستنزاف خصومها وإجبارهم على تقديم التنازلات. ومن هنا يبرز مفهوم قريب من ثقافة «البازار» في التفاوض الإيراني، حيث لا يكون الهدف الوصول السريع إلى اتفاق، بل إدارة الصراع عبر إطالة أمد المفاوضات إلى أن تتغيّر موازين القوى.

وقد تجلّت هذه الفلسفة بوضوح في تجربة المفاوضات النووية الطويلة، حيث جمعت إيران بين الحوار الدبلوماسي من جهة، والاستمرار في تطوير أدوات القوة والنفوذ الإقليمي من جهة أخرى. كما تجلّت هذه النظرية في تعامل حزب الله مع خصومه بعد ثورة الأرز، إذ اعتمد سياسة الوقت والنَّفَس الطويل لإرهاق خصومه، عبر الجمع بين جزرة المصالح المالية والسياسية وعصا الاغتيالات، إلى أن تمكّن من إحكام سيطرته على معظم مفاصل الدولة في عهد الرئيس ميشال عون.

أما كتاب «الاستراتيجية الكبرى لإيران» لفالي نصر، فيضع هذه الأدوات ضمن إطار أشمل. فمنذ نهاية الحرب العراقية–الإيرانية تسعى طهران إلى بناء منظومة نفوذ إقليمي تحمي أمنها القومي وتمنع تطويقها من قبل القوى الكبرى. وترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة عناصر رئيسية: الصبر الاستراتيجي الطويل، وبناء شبكة نفوذ إقليمي عبر قوى محلية في المنطقة، والمزاوجة بين القوة العسكرية والدبلوماسية لفرض الاعتراف بدورها الإقليمي.

بهذا المعنى، لا تعتمد إيران على قوتها المباشرة فقط، بل على ما يمكن تسميته سياسة النفوذ غير المباشر، التي تسمح لها بممارسة الضغط الاستراتيجي دون الانخراط في مواجهة عسكرية شاملة.

وفي مذكراته «صمود الدبلوماسية» يقدم محمد جواد ظريف صورة من داخل هذه المدرسة السياسية. فهو يشرح كيف أن الدبلوماسية الإيرانية ليست مجرد نشاط تقليدي لإدارة العلاقات الدولية، بل جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى كسر العزلة الدولية وإدارة الصراع مع القوى الكبرى دون التفريط بأوراق القوة. ويكشف ظريف أن الدبلوماسي الإيراني يعمل دائماً ضمن معادلة مركّبة: التفاوض في العلن، وتعزيز عناصر القوة في الميدان بالتوازي.

غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى تحوّل مهم في طبيعة الصراع. فإسرائيل، ومعها الإدارة الأميركية، توصلتا على ما يبدو إلى قراءة عميقة لهذه الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الصبر الطويل، وإدارة الأزمات عبر التفاوض، واستخدام الأذرع الإقليمية لممارسة الضغط غير المباشر.

وانطلاقاً من هذه القراءة، بدأت تتشكل قناعة لدى صانعي القرار في واشنطن بأن مواجهة هذه الاستراتيجية عبر الحروب غير المباشرة لم تعد كافية، لأن تلك الحروب تمنح إيران الوقت الذي تحتاجه لتعزيز نفوذها وترسيخ مواقعها الإقليمية. ولذلك اتجه التفكير نحو تغيير قواعد الاشتباك عبر ضرب الرأس مباشرة، بدلاً من استنزاف الوقت في الصراع مع الأطراف.

من هنا يمكن فهم الحرب الحالية بوصفها لحظة انتقالية في الصراع الإقليمي. فإيران حاولت طوال السنوات الماضية إدارة نفوذها عبر استراتيجية الحرب غير المباشرة والصبر التفاوضي، بينما يبدو أن خصومها قرروا كسر هذه المعادلة عبر نقل الصراع إلى مستوى أكثر مباشرة.

وهكذا لم تعد المواجهة مجرد صراع بين قوى محلية أو حروب بالوكالة، بل أصبحت مواجهة بين استراتيجيتين متقابلتين: استراتيجية إيرانية تقوم على الصبر الطويل، والتفاوض، وتوسيع النفوذ عبر شبكة الحلفاء، في مقابل استراتيجية أميركية–إسرائيلية تسعى إلى تقويض هذه المنظومة عبر استهداف مركز القرار نفسه.

من هنا يمكن فهم الحرب الدائرة اليوم ليس فقط كصراع عسكري، بل كمرحلة جديدة في مواجهة أعمق تتعلق بإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.