أثار ضجة قرار المحكمة العسكرية بحق ثلاثة مسلّحين قضى بتغريمهم ما يقرب العشرين دولارًا وإطلاق سراحهم.
كان للمحكمة العسكرية محل بارز في نشاط حقوق الإنسان. كان أوّل اتصال لي بالمحكمة العسكرية بعيد انتخاب أمين الجميّل رئيسًا إذ اتصلت بي سيدة أريترية تعيش في بيروت الغربية لتبلغني أن زوجها، مندوب جبهة تحرير أريتريا، قد أوقف دون سبب وهي تزوره دوريًا في مقرّ المحكمة العسكرية.
مررت بالمحكمة طلبًا لموعد مع مندوب الحكومة. قال لي الموظف أن لا حاجة لموعد، ذلك أن الشيخ أسعد جرمانوس في مكتبه. كانت تلك مقابلتي الأولى مع من سيصبح فيما بعد أحد أركان عملنا في حقل حقوق الإنسان إذ بعد تقاعده كان من أبرز ناشطي حقلنا.
طلبت من القاضي معرفة سبب توقيف حاديش ضرار. استغرب الشيخ أسعد الطلب وأنكر وجود موقوف بهذا الاسم. ثمّ، إثباتًا لصحّة قوله، استدعى الكاتب وطلب منه تمكيني من مراجعة السجلّات لأتأكّد من عدم وجود موقوف باسم حاديش ضرار. شكرت القاضي لكنني لم أراجع السجلّات التي كنت لأراجعها، لو لم يذكر الشيخ أسعد للكاتب اسم الأريتري، إذ كنت موقنًا أن الكاتب سيقدّم لي كلّ السجلّات ما عدا ذاك الذي ينكر رئيسه توقيفه. اتصلت بالأباتي بولس نعمان الذي بمسعاه أفرج عن ضرار.
رفضنا القاطع للمحكمة العسكرية يعود إلى أسباب تتعلّق بطبيعة المحكمة العسكرية يضاف إليها ما يتصل بأدائها. ما يميّز الأنظمة الديمقراطية عن السلطوية، اكتفاء الأولى بالقضاء العادي للنظر في النزاعات وإحقاق العدل، فيما يبقى القضاء الخاص سمة أنظمة التسلّط. يقتضي توضيح التمييز بين القضاء الخاص وقضاء الاختصاص. اختصاص القضاء ركن كل قضاء حديث أمّا التخصيص كالمحاكم الثورية والعسكرية فهي سمة لا تحتمل الخطأ عن استبداد الحكم.
لكن ألا توجد محاكم عسكرية في الديمقراطيات؟ طبعًا توجد، لكنها محاكم يقتصر عملها على العسكريين لتشديد انضباط القوات المسلّحة، فيما لو امتدّت لمقاضاة مدنيين لقامت دليلًا قاطعًا على سلطوية النظام.
مرّ تاريخ القضاء في لبنان الحديث بأربع حقبات. أولاها كانت الانتداب الفرنسي وهو أفضلها إذ انحصرت المحاكم العسكرية فيها بالقوات المسلّحة. الحقبة الثانية كانت المارونية حيث، ولعقود، اقتصرت فيها المحاكم العسكرية على العسكريين باستثناء محكمتين عسكريتين خاصتين عام 1949 و 1962 لمحاكمة متهمين بانقلابات. ما يحتسب في الأولى استعفاء المحامي نصري لحود اعتراضًا على مخالفات في أصول محاكمة أنطون سعادة والحكم عليه بالإعدام. وفي الثانية ارتفع قدر القاضي عبد الباسط غندور لاستقالته اعتراضًا على مخالفات في الإجراءات.
لكن مع تدهور الأوضاع الأمنية في نهاية الزمن الماروني أنشئت محكمة عسكرية دائمة منذ منتصف السبعينات ولا تزال. "الفترة السنية " كانت أسوأ من المارونية بسبب الإملاءات السورية. لكن الزمن الأكثر سوادًا هو الزمن الشيعي الذي تخطت فيه المحكمة العسكرية، خدمة لثنائيّه، كلّ قيد.
من مساوئ المحكمة العسكرية التقاء ضدين بأقصى أبعادهما فيها: السرعة والبطء.
منذ عقدين أو يزيد، زار وفد من الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان لبنان تقصّيًا للحقائق واجتمع بالرسميين وبمؤسسات حقوق الإنسان. أثناء حديث الوفد معنا سألنا أحدهم مدهوشًا عن صحة ادّعاء القاضي نصري لحود أنه "أصدر في يوم واحد 350 حكمًا". في بيان لنا بعد اللقاء وصفنا المحكمة العسكرية بـ "المحكمة الستاغانوفية" نسبة إلى ستاغانوف بطل الإنتاج في عصر ستالين الذي في يوم واحد استخرج 11 طنًا من الفحم الحجري. من ستاغانوفية المحكمة العسكرية أيضًا محاكمة "جيش لبنان الجنوبي". حضر مندوب من مؤسستنا، جان عوض، المحاكمات وكان يسجل الزمن الذي يستغرقه كلّ استجواب. بحسب تقريره تراوحت الاستجوابات ما بين الـ 50 والـ 70 ثانية لكلّ متهم، حيث توجّه له ثلاثة أسئلة: الاسم، الرتبة، ماذا يطلب. وفي ساعة متأخرة من ليل ذاك اليوم كانت تصدر الأحكام. لكن الأحكام لم تحظ برضى حسن نصراللّه إذ علّق عليها بما عرف به من روح دعابة وفكاهة "إنها ليست أحكامًا هزيلة، إنها أحكام هازلة". إثر هذا التصريح تضاعفت الأحكام.
على الجانب الآخر لسرعة أحكام المحكمة العسكرية يصدمك بطؤها. أثناء الحملة على أصوليي طرابلس والضنيّة، اهتمّ المحققون العسكريون بهواتف المتهمين وأوقفوا من وجدوا أرقامهم عليها. من بين من أوقفوا سبّاك غير أصولي لكن الأصولي صاحب الهاتف سجّله في حال احتاج إلى سبّاك. استمرّ توقيف المسكين ما يقرب من ثلاث سنوات ونصف خسر أثناءها عمله ولولا الصدقة لماتت عائلته جوعًا.
القضاء في لبنان بحاجة إلى إصلاحات عميقة وشاملة. إلغاء المحكمة العسكرية أحدها. لكن إصلاحات أخرى لا تقلّ عنها إلحاحًا يجب اعتمادها لحاقًا منا بركب الدول المتقدّمة.