إذا بقي البلد بلا إصلاح، سيتجاوزه الجميع.
وإذا أصلح نفسه، يمكنه أن يفرض موقعه ضمن أي منظومة إقليمية أو خارجها.
يتمتع لبنان بموقع جغرافي فريد على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، لكنه في المقابل يعاني من هشاشة مؤسسية وأزمة اقتصادية مستمرة. وفي الوقت الذي تعيد فيه المنطقة رسم خرائط التجارة والطاقة عبر مشاريع ممرات استراتيجية جديدة، يبرز سؤال جوهري: هل يستطيع لبنان استثمار موقعه ليصبح عقدة وصل في هذه الشبكات، أم سيبقى على هامش التحولات؟
في جوهر هذا النقاش لا يتعلق الأمر بالممرات الاقتصادية فقط، بل بموقع لبنان نفسه في التحولات الإقليمية المقبلة. فالدول اليوم تتنافس على التحكم في شبكات التجارة والطاقة التي تربط آسيا بأوروبا، وتتحول المرافئ والممرات إلى أدوات نفوذ جيوسياسي بقدر ما هي بنى اقتصادية. في هذا السياق، يشكل موقع لبنان فرصة استراتيجية حقيقية، لكنها تبقى فرصة غير مستثمرة ما لم تترافق مع إصلاح مؤسسي واستقرار سياسي. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط أين تمر الممرات، بل ما إذا كان لبنان قادراً على التحول من دولة متأثرة بهذه التحولات إلى دولة قادرة على الاستفادة منها.
أولاً: الوضع الراهن
الهشاشة السياسية
ضعف التنسيق في القرار السيادي يحد من قدرة لبنان على إدارة مخاطر أي مشروع إقليمي أو الاستفادة من الفرص التي قد تنشأ عنه.
الأزمة الاقتصادية
انهيار القطاع المصرفي وتراجع البنية التحتية يضعان لبنان خارج حسابات العديد من المستثمرين الدوليين.
الممرات الإقليمية الجديدة
مشاريع مثل ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي تشير إلى تحولات جيوسياسية واقتصادية كبيرة، لكنها ترتبط أيضاً بدرجة الاستقرار الداخلي للدول، وليس بالتحالفات الإقليمية فقط.
ثانياً: التوتر الإقليمي والممرات الاقتصادية
تؤثر التوترات مع إيران في الاستقرار الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه جزء من عملية أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الاستراتيجية في المنطقة.
السيطرة على الموارد
تمتلك إيران احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، إضافة إلى موقع جغرافي حيوي بالقرب من مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم. لذلك فإن أي ضغوط عليها ترتبط أيضاً بضمان استقرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.
كبح النفوذ الصيني والتمدد الاقتصادي
وسّعت الصين حضورها الاقتصادي في الشرق الأوسط عبر مشاريع استثمارية وممرات تجارية ضمن مبادرة الحزام والطريق. وقد يؤدي الضغط الجيوسياسي في بعض مناطق المنطقة إلى الحد من هذا التمدد أو إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي.
الممرات البديلة
مشاريع مثل ممر الهند – الشرق الأوسط – أوروبا الاقتصادي تسعى إلى توفير مسارات أكثر استقراراً للتجارة والاستثمار بعيداً عن مناطق التوتر.
باختصار، الممرات الاقتصادية لم تعد مجرد خطوط نقل، بل تحولت إلى أدوات لإدارة النفوذ والتحكم في تدفق الموارد والتجارة بين القوى الكبرى وعلى المستوى الإقليمي.
ثالثاً: الفرص اللبنانية
رغم التحديات القائمة، يمتلك لبنان مجموعة من الفرص الاستراتيجية إذا استطاع تنفيذ إصلاحات جدية.
التحول إلى مركز خدمات لوجستية ومالية
يمكن لتحديث المرافئ والمطارات أن يسمح للبنان بالانخراط في الشبكات اللوجستية الإقليمية، خصوصاً من خلال إعادة تطوير مرفأ بيروت.
الانخراط في شبكات التعاون الإقليمي
الإصلاح الداخلي قد يسمح للبنان بالظهور كشريك اقتصادي موثوق وقادر على جذب الاستثمارات.
استعادة الثقة الدولية
إصلاح القطاع المالي والإداري يعزز قدرة الدولة على جذب التمويل والمشاريع الكبرى.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية
1.تصعيد إقليمي واسع
إعادة توجيه الاستثمارات بعيداً عن مناطق التوتر.
استبعاد لبنان من مشاريع الربط الكبرى.
ارتفاع كلفة المخاطر السيادية.
2.تسوية إقليمية تدريجية
توسع فرص الربط متعدد المسارات.
إمكانية إدماج لبنان كمركز خدمات مكمل.
شرط أساسي: إصلاح داخلي فعلي.
3.جمود طويل الأمد (الأكثر ترجيحاً)
استمرار بناء الممرات في الدول الأكثر استقراراً.
بقاء لبنان خارج المعادلة إذا لم يبادر إلى إصلاح جذري.
خامساً: التوصيات الاستراتيجية
كيف يمكن للبنان أن يتحول من هامش إلى عقدة وصل؟
أ. السيادة والإدارة
تحييد المرافق الحيوية عن أي استخدام سياسي أو أمني خارج إطار الدولة.
توحيد القرار الأمني لتعزيز الاستقرار.
وضع استراتيجية وطنية لحماية البنية التحتية الحيوية.
ب. الاقتصاد والبنية التحتية
إصلاح القطاع المالي واستعادة الثقة الدولية.
تحديث مرفأ بيروت وربطه بشبكات لوجستية حديثة.
اعتماد شراكات بين القطاعين العام والخاص بشكل شفاف وطويل الأمد.
إصلاح النظام الإداري والجمركي لتسهيل حركة التجارة.
ج. التموضع الجيوسياسي
اعتماد سياسة براغماتية قائمة على مصلحة الدولة.
تجنب الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية.
تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية لإظهار لبنان كشريك موثوق.
د. الأمن والاستقرار
تعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية في مجال أمن الموانئ والطاقة.
إدارة المخاطر التشغيلية والتقنية للممرات لتقليل تأثير التوترات الإقليمية.
الممرات الاقتصادية لن تنتظر الدول الضعيفة أو غير المستقرة. لبنان اليوم أمام خيار واضح: إما أن يبقى على هامش التحولات الإقليمية، أو أن يتحول إلى عقدة وصل من خلال إصلاح مؤسساته، وتحديث بنيته التحتية، واستثمار موقعه الاستراتيجي. في زمن التحولات الكبرى، تمثل الجغرافيا فرصة، لكن السيادة والإصلاح هما مفتاح التموضع الاستراتيجي. أما استثمار الفرص الاقتصادية، فيتطلب استعداداً داخلياً كاملاً يسمح للبنان بالانتقال من موقع المتأثر بالتحولات إلى موقع المشارك في رسمها.