د. الياس شلالا

لبنان يطلب آية... ولن يعطى إلا آية يونان

5 دقائق للقراءة

"جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي".

تمثل قصة النبي يونان من الكتاب المقدس، أو المعروف بيونس في الإسلام، قصة أسطورية تغلغلت في الثقافة العامة دون فهمها بعمق فلسفي. يرى الدكتور جوردان بيترسون أن قصة يونان ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي نموذج أصلي (Archetype) يصور الصراع الأزلي بين الفرد ومسؤوليته الأخلاقية. بالنسبة لبيترسون، يمثل "نداء الله" ليونان للذهاب إلى نينوى، مدينة أعدائه، وتبشيرهم بكلام الله، صوتًا داخليًا يحث الإنسان على مواجهة الحقيقة الصعبة أو أداء الواجب الذي يتجنبه. هروب يونان إلى "ترشيش" في الاتجاه المعاكس هو تجسيد لـ "العمى الإرادي"؛ أي محاولة الإنسان الفرار من ضميره ومن قول ما يجب عليه قوله. لكن هذا الهروب، كما يحلل بيترسون، لا يمنح الأمان؛ بل يستحضر "العواصف" التي تلاحق من يتخلى عن مسؤوليته وتزعزع استقرار من حوله. أما دخول يونان في "جوف الحوت"، فهو الرمز النفسي للسقوط في أعماق اليأس أو "الهاوية" التي تبتلعنا عندما نرفض مواجهة الحقائق. لا يخرج الإنسان من هذا الظلام إلا بـ "التوبة"، والتي تعني عند بيترسون إعادة ترتيب الذات والاعتراف بالخطأ، مما يؤدي في النهاية إلى "انبعاث" الشخص من جديد، مستعدًا لمواجهة مخاوفه ونينوى الخاصة به بقلبٍ قوي.

لبنان اليوم في جوف الحوت، لأنّ قسمًا كبيرًا من أبنائه تهربوا من المسؤولية ولم يقولوا بصوت عالٍ ما يعتقدونه حقيقة وما يمليه عليهم ضميرهم. منذ انتهاء الحرب اللبنانية وبشكل أوضح بعد ثورة الأرز اختار الكثير من اللبنانيين، لا سيما في الوسط المسيحي، تبديل آرائهم علنـًا لمسايرة واقع الحكم السوري ومن أجل الحفاظ على علاقة طيبة ووحدة وطنية مع المسلمين. تبنى المسيحيون، تحت شعارات "الوحدة الوطنية" و"السلم الأهلي"، سردية الممانعة، مثل إسرائيل شر مطلق، لا سلام مع إسرائيل إذا فلسطين محتلة، إسرائيل تسعى لاحتلال لبنان وإقامة إسرائيل الكبرى أو شعارات تمجد "حزب الله" مثل تسميته "مقاومة"، أو موافقة "حزب الله" على أنه هو من أخرج اسرائيل عام 2000 أو اعتبار ولاية الفقيه تمامًا كترؤس البابا للكنيسة الكاثوليكية.

لم يتهرب يونان من قول الحق لأسباب غير منطقية فمن الطبيعي أن يتهرب من مواجهة مدينة أعدائه بتصحيح أخطائهم، وكذلك أيضًا، المنطق يفرض على اللبنانيين مسايرة بعضهم بعضًا لو كان ذلك بلا قناعة من أجل الحفاظ على السلم الأهلي ومحاولة التعايش مع كل اللبنانيين والحفاظ على "خط الرجعة" من أجل بناء دولة يؤمن بها جميع أبنائها. إن المسايرة السياسية التي انتهجها اللبنانيون، وخاصة المسيحيون منهم في مراحل معينة، لم تكن 'حكمة' بل كانت 'هروبًا نحو ترشيش'. لقد ظنوا أن تجنب تسمية الأشياء بمسمياتها سيحمي السلم الأهلي، لكن الحقيقة التي يعلمنا إياها بيترسون هي أنك إذا تجنبت المواجهة مع 'التنين' وهو صغير، فإنه سيكبر ليلتهم المدينة بأكملها. واليوم، التنين يلتهم لبنان، ولا سبيل للنجاة إلا بلفظ الأكاذيب التي تعايشنا معها لعقود."

هذه المسايرة أوصلت لبنان الى حربين مع إسرائيل لا ناقة ولا جمل له فيهما، حربين لا أفق للنجاة من التدمير فيهما ولا أفق للنصر، الا نصرًا عقائديًا لمحبّي الموت، مجرد تدمير لبنان خدمةً لإيران ومساندةً لطموحات "حماس" الانتحارية.

اللبنانيون يطلبون آية، ولن يعطوا إلا آية يونان، فكما مكث يونان ثلاثة أيام في جوف الحوت وخرج، سيخرج لبنان من هذه الحرب، وكما عاد يونان الى نينوى وقال الحق، على اللبنانيين أن يقولوا الحق أيضاً لتجنب العودة الى جوف حوت الدمار. والحقيقة هي التالية:

"حزب لله" ميليشيا إرهابية تأتمر من إيران وهدفها تقوية إيران، لا علاقة لهذه الميليشيا بالمقاومة بل تحججت بالمقاومة من أجل تحقيق مشروع طائفي فئويّ شيعي بمواجهة كل المنطقة، في سوريا قاتلت في العراق قاتلت في اليمن قاتلت ودربت، في الكويت خربت، السعودية والخليج عادت وفي لبنان قتلت. قتلت رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز، قتلت وسام الحسن، قتلت هاشم السلمان أمام مرأى الجميع، قتلت لقمان سليم وقتلت الياس الحصروني. هذه الميليشيا الإرهابية تاجرت بالمخدرات مع النظام السوري ودول اميركا الجنوبية. "حزب الله" صدّر الإرهاب الى الولايات المتحدة بمحاولة قتل سلمان رشدي تطبيقا لفتوى خمينية، واليوم تغتال مدنيين في ميشيغان.

لم يطرد "حزب الله" الاسرائيليين عام 2000 بل كان ذلك قرارًا إسرائيليًا داخليًا، لم يصمد "حزب الله" أمام إسرائيل عام 2006 بل خلصه من الدمار الشامل المجتمع الدولي وحكومة فؤاد السنيورة.

إسرائيل ليست شرًّا مطلقًا وعدوًّا أبديًا، بل دولة تعمل على مصالحها كسائر الدول. إذا كانت إسرائيل تريد احتلال لبنان لماذا لم تبن مستوطنات في الجنوب قبل الـ2000؟ لماذا انسحبت من القرى المحتلة بعد حرب الاسناد؟ دعاة إسرائيل الكبرى هم جزء من الإسرائيليين وليسوا أكثرية كما يوجد أقلية في لبنان دعاة لسوريا الكبرى ومن ضمنها قبرص.

نريد سلاماً مع إسرائيل وترسيمًا للحدود كما رسّمت الدولة اللبنانية الحدود البحرية مع دولة إسرائيل. لسنا مستعدين أن نساند أي دولة في العالم وأي قضية خارجية، على الأقل ليس قبل إقامة دولة لبنان التي نحلم بها.

هذه هي الحقيقة، تعرفون الحقيقة والحقيقة تحرركم، جاهروا بها دون مسايرة ودون خوف، لإنقاذ لبنان.