ريتا عازار

استراحة قصيرة بين كارثتَين

عندما يصل توم وجيري إلى بيروت

6 دقائق للقراءة

في الأزمنة المضطربة ينقسم البشر غالبًا إلى فئتَين واضحتَين تمامًا: الأولى تضمّ مَن يتعاملون مع الأحداث بجديّة ثقيلة ويشرحونها عبر رسوم بيانيّة ملوّنة وأسهم تشير إلى اتجاهات متعدّدة، والثانية تفضّل تشغيل التلفزيون ومشاهدة مسلسل كرتوني على أمل أن يتلقى شخص آخَر ضربة قوية على رأسه طوال عشرين دقيقة بدل أن يكونوا هم الضحية.

مساء أمس، بينما كانت نشرات الأخبار في لبنان تبدو كأنها بطولة عالمية في نقل أسوأ الأخبار وأكثرها ثقلًا، وجدتُ نفسي أنتمي بوضوح إلى الفئة الثانية. وخلال مشاهدة حلقة قديمة من الرسوم المتحرّكة خطرت لي فكرة غريبة بعض الشيء: ماذا لو قرّرت شخصيات الكرتون أن تزور حربنا الواقعية فجأة؟ لكن إن كان هناك خبراء حقيقيون في النجاة من كلّ شيء، من الانفجارات والكوارث والفخاخ والانهيارات إلى السيناريوات السيئة، فهُم بلا شك أبطال الرسوم المتحركة.


مسؤول الدفاع

لنأخذ توم وجيري مثالًا: القط الأكثر تعاسة وإصرارًا في تاريخ الرسوم المتحركة سيُعيَّن على الفور مسؤولًا عن الدفاع الإقليمي، ليس لأنه عبقريّ في التخطيط العسكري، بل لامتلاكه ميزة نادرة في المناطق الحساسة، وهي خبرة شخصية عميقة مع الكوارث.

كائن تعرّض في حياته لسقوط سندانات وثلاجات وخزائن ثقيلة وعدة آلات بيانو كبيرة فوق رأسه، يُطوّر بلا شك قدرة مذهلة على تحمّل المخاطر، وهي صفة قد تحظى باحترام غرف العمليات العسكرية. أما جيري فسيتولّى فورًا مهمّة العمليات الخاصة.


خطة عبقرية

المشهد سهل التخيّل: في أحد شوارع بيروت تتحرّك مركبة مشبوهة ببطء شديد، أناس يراقبون النوافذ بحذر، الهدوء كامل لدرجة أن الحمام في السماء يبدو وكأنه طلب إجازة قصيرة. فجأة يظهر فأر صغير من ثقب في الجدار، إنه جيري. ينظر حوله بسرعة ثمّ يضع خطة مذهلة خلال ثوان قليلة، مستعينًا بحبل وعلبة طلاء وقطعة جبن، فتأتي النتيجة فورًا: المركبة تتحوّل إلى لون أصفر لامع يشبه لون الكناري، أمّا توم الذي كان من المفترض أن يُشرف على العملية فيتلقى علبة الطلاء على رأسه مباشرة.

بصراحة من الممكن أن يكون جيري أفضل خبير استراتيجي عرفته الحروب. فمخلوق بطول ثمانية سنتيمترات قادر على إطلاق طائرة صغيرة مرتجَلة باستخدام مشبك ورق وعلكة وشريط مطاطيّ، يستحق على الأقلّ مكتبًا في إحدى الوزارات.

أمّا توم فسيبقى مثالًا حيًّا على المثابرة، إذ لا يوجد حيوان حقيقي أو خيالي أو حتى مسجّلًا في السجلّات الضريبية، فشل مرات أكثر منه. وفي منطقة أصبح الصمود فيها جزءًا من الحياة اليومية، يمكن لهذا القط الرمادي أن يتحوّل بسهولة إلى رمز وطنيّ.


كلب خائف بشجاعة

ستصبح القصة أكثر إثارة إذا ظهر كلب الكرتون المعروف باسم كوردج. إنه كلب صغير ورديّ اللون، يرتجف باستمرار ويصرخ بطريقة تشبه صفير إبريق الماء الساخن، ويهرب من أي شيء يتحرّك. هو وصف قريب جدًّا من حالة كثيرين منا عندما تبدأ الإنذارات الإسرائيليّة. لنتخيّل كوردج داخل شقة لبنانية أثناء إنذار جويّ، يرتجف بشدّة، يختبئ تحت الطاولة، يفكّر بجديّة في الانتقال للعيش على سطح القمر. ومع ذلك عندما يبدو كلّ شيء ضائعًا، يجد فجأة شجاعة غير متوقعة، وتلك هي المفارقة الجميلة في شخصيّته. إنه خائف جدًا لكنه يتصرّف رغم ذلك. وهذا يشبه الحياة اليومية في هذا البلد، الخوف موجود بلا شك، لكن الحياة تستمرّ، القهوة تُحضَّر، المحال تُفتح، النكات تُروى، والناس يمضون إلى الأمام.


ضحكة وودي وودبيكر

في هذا "الكرتون الجيوسياسي" ينبغي أيضًا دعوة نقار الخشب الشهير وودي وودبيكر، صاحب الضحكة المجنونة. في بيئة عسكرية، قد يتحوّل سريعًا إلى أقوى سلاح نفسي. لنتخيّل خطّ مواجهة هادئًا، الصمت ثقيل ومريب، وفجأة يظهر وودي نقار الخشب فوق عمود كهرباء، ويطلق ضحكته المعروفة. الناس كلّهم من الجانبَين يتوقفون عن الحركة، لا أحد يفهم ما يحدث، ووودي يواصل الضحك راضيًا عن نفسه مثل محلّل سياسي توقع سقوط المطر في شهر تشرين الثاني.

والحقيقة أن التاريخ العسكري العالمي، لم يعرف كثيرًا مِن الظواهر المربِكة، مثل نقار خشب يضحك في وسط المعركة، باستثناء ربما طائرة مسيّرة تُصدِر أزيزًا في توقيت غير مناسب.


حكمة الرسوم المتحركة

الحقيقة أن الرسوم المتحركة تحمل نوعًا غريبًا من الحكمة. شخصياتها تُسحق وتُحرق وتُقذف وتنفجر، ثمّ تظهر في المشهد التالي واقفة كما لو لم يحدث شيء، سليمة ومستعدة للمحاولة مرّة أخرى. الأمر يبدو عبثيًا بلا شك، لكن فيه أيضًا عزاء غريب، لأنه يذكّرنا بأمر أساسي في الطبيعة البشرية وهو القدرة على النهوض بعد السقوط. في لبنان هذه القدرة ليست فكرة فلسفية، إنها عادة يومية، فقد أعاد اللبنانيون بناء مدن ومحال ومقاهٍ ومسارح وأحلام مرات ومرات، تمامًا مثل توم الذي ينهض بعد أن يسحقه بيانو ضخم ثم يرتب شاربه ويعود لمطاردة جيري بتفاؤل غير منطقي تمامًا، حتى عندما تمرّ فوق رأسه طائرة مسيّرة تبدو كأنها ساعي بريد أضاع العنوان.


شجاعة واستراحة

ربما تكون هذه الصورة أقرب شكلًا لمعنى الشجاعة الحقيقي. فالشجاعة ليست دائمًا مشهدًا بطوليًّا كما في أفلام هوليوود، كثيرًا ما تكون ببساطة شخصًا يستيقظ في الصباح ويحضر فنجان قهوة ويقرّر أن هذا اليوم يستحق أن يُعاش رغم كل شيء، حتى لو احتوى على بعض الصواريخ، أو طائرة مسيّرة فضولية أكثر من اللازم.

في نسختنا الكرتونية من الحرب، ستأتي أيضًا لحظة سلام صغيرة وغير متوقعة، يتوقف توم وجيري عن المطاردة، ويتوقف كوردج عن الارتجاف، وأخيرًا يصمت وودي وودبيكر قليلًا، وهو أمر قد يُعتبر معجزة دبلوماسية تعترف بها "الأمم المتحدة". يجلس الجميع حول طاولة واحدة، وفي لبنان لا يمكن أن تغيب القهوة، بل ستكون هناك كمية كافية منها لعقد ثلاث معاهدات سلام ومصالحتَين عائليّتَين على الأقلّ. جيري على الأرجح سيسرق البسكويت، أمّا توم فسيتظاهر بأنه لم يلاحظ شيئًا، بينما كوردج سينظر حوله ليتأكد من عدم اقتراب أي وحش... ولبضع دقائق يسود الهدوء.


لحظة بين كارثتَين

وهذا ربّما أهم ما تذكّرنا به الرسوم المتحركة، بأن حتى في أكثر العوالم فوضوية هناك دائمًا استراحة قصيرة، لحظة لالتقاط الأنفاس، مشهد هادئ صغير بين كارثتَين، يفهم الأطفال ذلك بشكل فطريّ، يرون توم يسقط من الطابق العاشر ويعرفون مسبقًا أنه سيعود في الحلقة التالية.


الضحك مقاومة

نعم، الحرب أمر جدّيّ جدًا جدًا، إلى حدّ مرعب، لكن الفكاهة تظلّ طريقة للمقاومة. طريقة أنيقة لنقول للعالم إن بإمكانه إرسال ما يشاء من الطائرات المسيّرة والصواريخ والقذائف ومع ذلك سنحاول النهوض من جديد، وإذا أصبحت الأمور عبثية أكثر ممّا ينبغي، فبإمكاننا دائمًا الاتصال بتوم وجيري، هما ربما الخبيران الدوليان الوحيدان القادران على تحويل ساحة معركة إلى مشهد كوميدي. وبصراحة في بعض الظروف قد تكون ضحكة جيدة ذات قيمة تقارِب قيمة وقف إطلاق النار، خصوصًا عندما ترافقها قهوة لبنانية، ومع صوت خافت لفأر صغير يستعدّ لتنفيذ مزحته التالية.