سالي عبيد

حكومة مارقة تهندس في الظل محو 2000 عام من الوجود المسيحي في سوريا

4 دقائق للقراءة

ما يحدث اليوم في سوريا ليس مجرّد سلسلة أحداث منفصلة أو انفلات أمني عابر، بل مسار متدرج وواضح لإعادة تشكيل البنية الديموغرافية والثقافية للبلاد. المسيحيون، أقدم مكوّن في سوريا منذ عهد ميلاد المسيح، يقفون اليوم في مواجهة محاولة محو ممنهج من قبل سلطة مارقة عمرها لا يتجاوز عامًا، تعمل بصمت على استهدافهم ضمن سياق واسع لطالما شمل الأقليات كافة: الدروز، الأكراد، العلويين، واليوم المسيحيين.

منذ نهاية عام 2024، ومع سقوط النظام السابق وتحوّل سوريا إلى فسيفساء من القوى المسلحة، ظهرت أنماط متكررة من الهجمات والاعتداءات ضد المسيحيين: تدنيس الكنائس، إزالة الصلبان، تحويل المباني الدينية إلى مواقع عسكرية، والاعتداء على المقابر والممتلكات. ما يلفت الانتباه ليس فقط عدد هذه الحوادث، بل تكرارها بصيغ متشابهة وغياب أي محاسبة فعلية، ما خلق شعورًا دائمًا لدى المسيحيين بأن وجودهم مهدد وأن الحماية قد انهارت بالكامل.

حادثة كنيسة الشهداء القديسين في محردة تمثل نموذجًا صارخًا لهذا النهج: إزالة الصلبان وتحويل الكنيسة إلى موقع عسكري لم يكن تصرفًا فرديًا، بل خطوة تحمل دلالات سياسية ودينية تتجاوز المكان ذاته، وتستهدف إلغاء مفهوم الشراكة الدينية التي شكلت نسيج سوريا لعقود.

إذا نظرنا إلى المكونات الأخرى، يتضح أن هذه السياسات تتكرر بنفس النسق: الدروز في السويداء واجهوا ضغوطًا واتهامات بالعصيان، إضافة إلى محاولات تجنيد قسري. الأكراد خضعوا لتغييرات ديموغرافية تحت ذرائع إعادة التوازن السكاني، في أسلوب يشبه الإحلال العرقي الذي شهدته مناطق أخرى من العالم. العلويون تعرضوا لاغتيالات وثأر طائفي في إدلب وحماة تحت شعارات مفبركة. اليوم، المسيحيون يعانون أشكالًا جديدة من الإقصاء: مصادرة الأملاك الوقفية، منع الفعاليات الثقافية، التعدي على الكنائس، والإصرار الإعلامي على وصف كل حادث بأنه "فردي"، رغم تكرار الأنماط نفسها في أكثر من منطقة.

تقارير صادرة من مناطق مثل القصير وجديدة عرطوز تؤكد استخدام الاعتقالات الجماعية والترهيب لدفع المسيحيين نحو الهجرة، وإفراغ المدن من سكانها الأصليين، وفرض رقابة على الأنشطة الدينية ومنع المهرجانات المشتركة، في خطوة تمهيدية لعزلهم اجتماعيًا. كل هذه الوقائع تشير إلى أن المسيحيين ليسوا ضحايا أحداث عشوائية، بل هدفٌ متكرر ومنهجي ضمن نموذج السلطة الدينية الأحادية التي تسعى لإعادة إنتاج مفردات "الذمة" والاستتباع في القرن الحادي والعشرين.

ما يسمى بسياسة "التمكين الإسلامي" ليس شعارًا دعويًا، بل استراتيجية تحكّم طويلة الأمد تتدرج على ثلاثة مستويات: أولًا الهيمنة الرمزية، أي فرض خطاب ديني محدد على المجال العام وإعادة تعريف الأخلاق العامة بما يخدم السيطرة السياسية. ثانيًا الإقصاء المؤسسي، أي تهميش السكان غير الملتزمين أيديولوجيًا في التعليم والإدارة والاقتصاد. ثالثًا إدارة الفوضى، أي ترك مساحة للفلتان الأمني والعنف المجتمعي ضد الأقليات، مع تقديمه كخروج فردي عن السيطرة لتجنب المحاسبة.

وفق مؤشر الاضطهاد العالمي 2026، صعدت سوريا إلى المرتبة السادسة عالميًا في اضطهاد المسيحيين بعد أن كانت في المرتبة 18، مع توثيق عشرات حوادث القتل والاعتداء على الكنائس والمدارس، ويُرجع التقرير هذه الطفرة في العنف إلى انهيار حماية الدولة وملء الفراغ السياسي بالأيديولوجيات المتطرفة. هذه السياسة لا تهدد المسيحيين وحدهم، بل البنية الإقليمية بأكملها، إذ إن السلطة المبنية على شرعية دينية أحادية تجعل التنوع الاجتماعي تهديدًا وجوديًا للنظام نفسه. ومع محاولة تصدير هذا المنطق إلى لبنان والعراق، تزداد احتمالات الاشتعال الطائفي، وتزداد مخاطر تفريغ المشرق من جذوره المسيحية والعلمانية معًا.

ما يُسمى "فوضى ما بعد النظام" في سوريا هو في الواقع فوضى مُدارة ذات اتجاه واضح. خلف الواجهات المدنية، تتبنى سلطات الأمر الواقع في الشمال والوسط نفس النهج: ضبط المجال العام وفق منطق ديني وإقصاء المختلفين، مع ترك هامش للفوضى لتمرير العقوبات المجتمعية بحق المسيحيين. هذه ليست أزمة طائفة فحسب، بل صراع حول هوية المشرق كله. فإما أن تستعيد المجتمعات حقها في المواطنة المتساوية، أو تستمر سياسة التمكين التي ستقضم ما تبقى من فسيفساء سوريا القديمة، وتكتب نهاية مسار عمره 2000 عام بدأ منذ عهد المسيح.

السؤال الملح اليوم: إذا كان التهجير والإقصاء وسيلة لتثبيت الحكم، فكم من الوقت سيسمح المحيط الإقليمي بتدوير هذا النموذج داخله قبل أن يصبح الجميع أقليات في أوطانهم؟