ليست كل القرارات الوزارية مجرد إجراءات تقنية عابرة، بل قد تتحول إلى قنابل موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي والأمني، خصوصًا عندما تتجاهل الذاكرة الجماعية وتعقيدات الواقع المحلي. من هذا المنطلق، يبرز قرار إقامة مركز إيواء للنازحين في الكرنتينا كواحد من القرارات التي تثير القلق العميق، ليس فقط بسبب أبعاده الحالية، بل أيضًا لما يحمله المكان نفسه من دلالات تاريخية حساسة تعود إلى الحرب اللبنانية وتحديدًا إلى "حرب السنتين" عامي 1975 - 1976.
الكرنتينا ليست مجرد مساحة جغرافية يمكن استثمارها بشكل عشوائي لتلبية حاجات طارئة، بل منطقة مثقلة بذاكرة جماعية مؤلمة. فقد شهدت هذه المنطقة واحدة من أكثر المحطات دموية خلال الحرب، ما جعلها رمزًا للصراع والانقسام، ومكانًا محفورًا في وجدان اللبنانيين كمساحة ارتبطت بالعنف والتوتر. تجاهل هذه الخلفية التاريخية عند اتخاذ قرار إنشاء مركز إيواء فيها يعكس قصورًا واضحًا في فهم البعد النفسي والاجتماعي للمكان.
إن إقامة مركز للنازحين في منطقة ذات هذا الثقل الرمزي قد تؤدي إلى إعادة إحياء مشاعر الخوف والريبة، ليس فقط لدى سكان المنطقة، بل أيضًا لدى النازحين أنفسهم. فالنازحون، الذين يفترض أن يجدوا في مراكز الإيواء ملاذًا آمنًا، قد يشعرون بأنهم وُضعوا في بيئة مشحونة تاريخيًا، ما يزيد من هشاشتهم النفسية بدلًا من التخفيف عنها. وفي المقابل، قد يتعامل السكان المحليون مع هذا الوجود الجديد بحذر أو حتى برفض، نتيجة تراكمات تاريخية لم تُحلّ بعد.
إضافة إلى ذلك، فإن الكرنتينا تعاني أصلًا من هشاشة اجتماعية واقتصادية، ما يجعلها بيئة غير مهيأة لاستيعاب ضغط إضافي بهذا الحجم. فإقامة مركز إيواء في منطقة تعاني نقصًا في الخدمات والبنى التحتية قد تؤدي إلى تفاقم الأزمات القائمة، مثل الاكتظاظ، والبطالة، والتوترات الاجتماعية، ومع غياب خطط واضحة لإدارة هذه التحديات، يتحول المركز من حل موقت إلى مصدر دائم للمشكلات.
الخطورة لا تكمن فقط في الحاضر، بل في ما قد ينتج عن هذا القرار على المدى البعيد، إذ إن مراكمة الأزمات في مساحة واحدة، من دون معالجة جذرية، قد تؤدي إلى انفجارات اجتماعية يصعب احتواؤها لاحقًا. وهذا ما يجعل وصف هذا القرار بـ "القنبلة الموقوتة" توصيفًا دقيقًا، لأنه يحمل في طياته عوامل انفجار مؤجلة، تنتظر فقط اللحظة المناسبة للظهور.
كان من الأجدر بـ "الجهات المعنية" التي ابتدعت هذا الإجراء، أن تتعامل مع ملف النازحين برؤية أكثر شمولية، تأخذ بالاعتبار التوزيع العادل للمراكز، وتختار مواقع أقل حساسية من الناحية التاريخية والاجتماعية، كما كان من الضروري إشراك المجتمع المحلي في عملية اتخاذ القرار، لضمان الحد الأدنى من التفاهم والتقبل، بدل فرض واقع جديد قد يُقابل بالرفض.
في المحصلة، إن إدارة الأزمات لا تكون عبر حلول سريعة تتجاهل تعقيدات الواقع بل من خلال سياسات مدروسة تراعي الإنسان والمكان معًا. فالقرارات التي تُتخذ دون وعي كافٍ قد تتحول إلى أزمات بحد ذاتها وتعيد إنتاج التوترات بدل حلها. ومن هنا فإن إعادة النظر في قرار إقامة مركز الإيواء في الكرنتينا ليست مجرد خيار بل ضرورة لتفادي تحويل هذا القرار إلى واحدة من أخطر القنابل الموقوتة في المشهد اللبناني.