تتصاعد في المرحلة الأخيرة حملات الترويج لرواية تتحدث عن مشروع أميركي لبناني لتشكيل "لواء خاص" داخل الجيش اللبناني، تكون مهمته السيطرة على الجنوب ومواجهة "حزب الله"، في محاولة تبدو أقرب إلى صناعة مناخات خوف وتحريض سياسي منها إلى الاستناد إلى وقائع حقيقية داخل المؤسسة العسكرية. وتندرج هذه الحملة في سياق أوسع يستهدف أي نقاش جدي حول إعادة تثبيت دور الدولة اللبنانية وحصرية قرارها الأمني والعسكري، عبر تصوير أي خطوة لتعزيز انتشار الجيش في الجنوب كأنها مشروع صدام داخلي أو مقدمة لمواجهة بين الجيش وشريحة واسعة من اللبنانيين.
وفي خلفية هذه الرواية، يظهر بوضوح السعي إلى إيجاد أي مدخل للهجوم على خيار الدولة والتفاوض، خصوصًا مع بدء الحديث عن ترتيبات المرحلة المقبلة في الجنوب بعد الحرب الأخيرة وما رافقها من تحولات ميدانية وسياسية كبيرة. ومن هنا، جرى اختراع قصة "اللواء الخاص" الكاذبة وربطها بتمويل وتجهيز أميركيين وانتقاء ضباط وعناصر بعناية، رغم أنّ هذا الكلام لا يستند إلى أي قرار رسمي أو وقائع فعلية داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية.
واللافت في هذه الحملة أنها تحاول وضع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في موقع من يريد الذهاب إلى مواجهة مع جزء أساسي من اللبنانيين، أو دفع الجيش إلى صدام داخلي، رغم أنّ مسيرته الطويلة في قيادة المؤسسة العسكرية شكّلت نموذجًا معاكسًا تمامًا لهذا الادعاء. فالرجل الذي قاد الجيش في أكثر المراحل تعقيدًا أمنيًا وسياسيًا، واجه ضغوطًا هائلة من الداخل والخارج، لكنه تمسّك بثابتة حماية المؤسسة العسكرية ومنع انزلاقها إلى الانقسام أو التورط في أي مواجهة داخلية. كما عمل طوال سنوات قيادته على تدوير الزوايا والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي، حتى في أكثر الملفات حساسية المرتبطة بسلاح "حزب الله" ودوره الأمني والعسكري.
وفي الأساس، فإنّ الحديث عن إنشاء وحدات أو أفواج متخصصة داخل الجيش اللبناني ليس أمرًا جديدًا أو مرتبطًا بالحرب الحالية، بل يدخل ضمن التطور الطبيعي لبنية المؤسسة العسكرية. فالجيش يتألف من ألوية وأفواج ووحدات ذات اختصاصات متعددة، وقد طُرحت منذ سنوات طويلة، بالتزامن مع إنشاء أفواج الحدود البرية على الحدود الشرقية والشمالية، فكرة إنشاء فوج متخصص بالحدود الجنوبية، تكون مهمته الانتشار على طول الحدود الدولية وحمايتها ومراقبتها. وإذا كانت أفواج الحدود البرية شرقًا وشمالا تتولى ضبط الحدود ومنع التهريب والعبور غير الشرعي، فإنّ خصوصية الجنوب تفرض، بطبيعة الحال، مهمات مختلفة مرتبطة بحماية الحدود من الاعتداءات الإسرائيلية ومنع أي خرق أمني أو عسكري.
وعندما طُرح هذا المشروع قبل سنوات، لم يكن في الحسبان لا حرب غزة ولا حروب الإسناد ولا الانهيار الكبير الذي أصاب الجنوب لاحقًا، بل كان الهدف التحضير التدريجي لمرحلة تتولى فيها الدولة اللبنانية، عبر جيشها، الإمساك الكامل بالحدود الجنوبية، بالتوازي مع تطبيق القرار 1701 والاستعداد لمرحلة ما بعد الـ "يونيفيل".
لكن ما يجري اليوم يتجاوز النقاش العسكري التقني حول فوج أو لواء، ليصل إلى جوهر الصراع على مفهوم الدولة نفسها. فلبنان، الذي عاش منذ اتفاق القاهرة عام 1969 مرحلة استباحة طويلة للجنوب وتحوله إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، دفع أثمانًا هائلة نتيجة غياب القرار السيادي الواحد. فمنذ ذلك التاريخ، شهد الجنوب اجتياحين إسرائيليين واسعين عامي 1978 و1982، ثم جاءت مرحلة ما بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 من دون أن تتمكن الدولة من الإمساك الكامل بالحدود الجنوبية، لتندلع بعدها حرب تموز 2006 التي خسر خلالها لبنان 13 نقطة حدودية. ومع توالي المواجهات بعد عام 2006، توسعت الخسائر اللبنانية تدريجًا، وصولا إلى حروب الإسناد الأولى، التي انتهت بخسارة النقاط الخمس وتدمير وتهجير 22 بلدة، والثانية التي أدت إلى احتلال جنوب الليطاني وتهجير كامل أبناء الجنوب إلى ما بعد خط الزهراني، وتحول أجزاء واسعة من الجنوب إلى منطقة مدمرة ومفرغة من سكانها، وسط عجز فعلي عن إعادة تثبيت الاستقرار الكامل حتى الآن.
ومن هنا يعود السؤال الأساسي إلى الواجهة: لماذا يصبح الحديث عن انتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود الدولية موضع تشكيك أو تخوين، فيما يُفترض أن يشكّل هذا الأمر مطلبًا وطنيًا جامعًا للبنانيين عمومًا ولأبناء الجنوب خصوصًا، بعدما دفعوا لعقود أثمان الحروب المفتوحة وتعدد مراكز القرار العسكري والأمني؟
وفي هذا السياق، تبدو الحملات التي تتحدث عن "لواء خاص" محاولة واضحة للهروب من أي مراجعة جدية للمرحلة السابقة، ورفضًا للاعتراف بالأخطاء التي أوصلت البلاد إلى هذا المستوى من الانهيار والخسائر. كما تعكس هذه الحملات خشية متزايدة من أي مشروع يعيد تثبيت حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، ويمنح الجيش الدور الكامل في حماية الحدود وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.