المستهدفون سياسيون وأمنيون وعسكريون في " الثنائي"

الإدارة الأميركية تضرب عميقًا في الدولة العميقة

7 دقائق للقراءة
وزارة الخزانة الأميركية (إنترنت)

دخلت واشنطن بثقلها على خط فرض أمر واقع ضمن المواجهة المباشرة مع ما بات يُعرف بـ "الدولة العميقة" المرتبطة بـ "حزب الله"، عبر انتقالها إلى سياسة الاستهداف المنهجي، من خلال تحريكها عصا العقوبات التي طالت نوابًا وشخصيات أمنية ومالية مرتبطة بمنظومته.

في التفاصيل، أعلنت الخارجية الأميركية فرض عقوبات على 9 أفراد على صلة بـ "حزب الله" يقوّضون سيادة لبنان ويعرقلون نزع السلاح، بينهم نواب ومسؤولون أمنيون لبنانيون استغلوا مناصبهم لصالح "الحزب"، معتبرة أنّ دعمهم لـ "الحزب" يخدم "الأجندة الإيرانية الخبيثة" ويعرقل مسار السلام والتعافي في البلاد.

وضمّت قائمة العقوبات نواب "حزب الله" حسن فضل الله وإبراهيم الموسوي وحسين الحاج حسن ومحمد فنيش، ورئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية العقيد سامر حمادة، ومسؤول الأمن في حركة "أمل" أحمد بعلبكي، والقائد العسكري لحركة "أمل" في الجنوب علي أحمد الصفاوي، ورئيس دائرة التحليل بالأمن العام اللبناني العميد خطار ناصر الدين، والسفير الإيراني غير المرغوب فيه محمد رضا شيباني.

وإذ أكدت الخارجية الأميركية التزام واشنطن بدعم الشعب اللبناني ومؤسساته الشرعية، شددت على أنّ "هذه ليست سوى البداية"، محذّرة من أنّ "كلّ من يحمي أو يتعاون مع هذه المنظمة الإرهابية أو يقوّض سيادة لبنان سيُحاسب".

كما أكدت واشنطن أنّ لبنان المستقر والآمن والمستقل يتطلب نزع سلاح "حزب الله" بالكامل، واستعادة الحكومة اللبنانية سلطتها الحصرية على الملفات الأمنية في كل أنحاء البلاد، معلنة استعدادها لمساعدة لبنان على بناء مستقبل أكثر سلامًا وازدهارًا.

وأعلنت الخارجية الأميركية عن مكافأة 10 ملايين دولار عن أي معلومات تؤدي إلى تعطيل تمويل "حزب الله".

في المقابل، ردّ كلّ من "حزب الله" وحركة "أمل" على العقوبات الأميركية، معتبرين أنّها تمثّل "محاولة ترهيب" للبنانيين ودعمًا لإسرائيل.

وتلفت مصادر لـ "نداء الوطن" إلى أن واشنطن ترسل إشارات مفادها بأن نفوذ "حزب الله" لم يعد يُعامل حصرًا كمسألة تتعلق بالميليشيات، بل كمشكلة تتصل باختراق الدولة من الداخل، وتحديدًا داخل البرلمان اللبناني والأجهزة الأمنية والنظام السياسي. وبالنسبة إلى "الحزب"، فإن هذه الخطوة ترفع تكلفة "استخدامه" للمسؤولين الموالين له لعرقلة نزع السلاح والحفاظ على جناحه العسكري. وتعتبر مصادر ديبلوماسية أميركية أن هذه العقوبات تعمّق الضغوط على مؤسسات الدولة لتختار بين السيادة وبين السلطة الموازية التي يفرضها "حزب الله".

وتلفت المصادر الأميركية إلى أن تصنيف تسع شخصيات موالية لـ "حزب الله" يشير إلى أن وزارة الخزانة الأميركية تسعى إلى عزل الغطاء السياسي للمنظمة، وليس فقط شبكاتها العسكرية والمالية. وهذا الأمر يجعل التعاون المستقبلي مع "الحزب" أكثر خطورة بالنسبة إلى المسؤولين والمؤسسات اللبنانية التي تعتمد في عملها على إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأميركي.

وأكدت المصادر الأميركية أنه من الناحية العملية، قد لا تؤدي العقوبات إلى تغيير سلوك "حزب الله" بشكل فوري، إلا أنها قادرة على تقييد وعرقلة التعاملات الدولية للمستهدفين ومن يرتبط بهم. وأضافت مصادر أميركية أخرى أن هذا الإجراء يفاقم الشرخ القائم داخل لبنان بين أولئك الذين يدفعون باتجاه ترسيخ سلطة الدولة، وبين من لا يزالون يعملون تحت مظلة "حزب الله". وشددت المصادر الأميركية على أن واشنطن تبعث برسالة إلى بيروت مفادها بأن إعادة الإعمار والاستقرار والحصول على الدعم الخارجي ستصبح مهامًا أكثر صعوبة واستدامة ما لم يتخلَّ "حزب الله" عن سلطته التي يمارسها سواء بقوة السلاح أو عبر المؤسسات.

ورأت المصادر أن واشنطن وجهت رسالة إلى الرئيس نبيه بري من خلال العقوبات التي طالت المسؤول الأهم عنده أحمد بعلبكي، لأنه يتولى مسؤوليات أمنية وسياسية في عين التينة إلى جانب بري، وهو يده اليمنى. أما الرسالة الأقوى فهي للدولة من خلال استهداف رئيس مكتب مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية ورئيس دائرة التحليل بالأمن العام اللذين تم تعيينهما منذ سنة تقريبًا.


تجهيز عدّة التفاوض

بالتوازي، تمضي الدولة قدمًا في تجهيز عدّة التفاوض شكلا ومضمونًا، لاعتقادها بأهمية هذه المحادثات التي تتجاوز الطابع الأمني والتقني المباشر، واعتبارها مفاوضات مفصلية ودقيقة قد ترسم معادلات جديدة في المشهد اللبناني والإقليمي، وتفتح الباب أمام مرحلة مختلفة عنوانها إعادة تثبيت مرجعية الدولة.

وفي انتظار ما سيرشح عن جلسة التفاوض الأمنية، باتت الدولة تدرك أنها أمام فرصة قد تكون الأخيرة لإثبات قدرتها على الإمساك بقرارها السيادي وترجمة تعهداتها إلى خطوات تنفيذية فعلية، لا الاكتفاء بعرض الخطط والالتزامات النظرية. وفي هذا السياق، تتكثف الاتصالات بين قصر بعبدا وقيادة الجيش في اليرزة لوضع اللمسات شبه النهائية على تركيبة الوفد العسكري اللبناني وجدول الأعمال الذي سيحمله إلى المفاوضات، ضمن سقف الثوابت الوطنية ومرتكزات قرار الدولة بحصر السلاح وبسط سيادتها الكاملة.


توضيح من قيادة الجيش

ولقطع الطريق على الجهة المتضررة من المفاوضات المباشرة، والتي تحاول بشتى الوسائل والأساليب وضع العصي في عجلة تثبيت المفاوضات، أوضحت قيادة الجيش أنّ ما يجري تداوله عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بشأن الوفد العسكري اللبناني المقرَّر مشاركته في المفاوضات، لناحية التوزيع الطائفي للضباط أعضاء الوفد، لا يمتّ إلى مبادئ المؤسسة العسكرية بصلة.

وأكدت القيادة أنّ الوفد المشارك، على اختلاف تركيبته، يبقى ملتزمًا بالثوابت الوطنية، وأنّ الضباط المكلّفين بالمهمة يمثّلون الوطن وهم ملتزمون بعقيدة الجيش، فيما ينفّذ عناصر المؤسسة العسكرية قرارات القيادة انطلاقًا من التزامهم بالواجب الوطني.

وعلمت "نداء الوطن" أن الوفد العسكري سيضم 4 ضباط، وبالنسبة إلى الأسماء ستختارهم قيادة الجيش بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وسيُزوَّدون بالتعليمات الضرورية من القيادة العسكرية والسلطة السياسية.


كرم بين بعبدا والسراي

ومواكبة لاستعداد الدولة للمشاركة في مساري المفاوضات الأمني والسياسي في واشنطن، التقى السفير السابق سيمون كرم رئيس الحكومة نواف سلام.

إلى ذلك، علمت "نداء الوطن" أن السفير كرم زار بعبدا بعيدًا عن الإعلام واجتمع بالرئيس جوزاف عون، لتقييم جلسات التفاوض ووضع الرئيس في الأجواء، ومن ثم لوضع استراتيجية للجلسات المقبلة، خصوصًا أن القادم من جولات تفاوضية لن يكون سهلا على لبنان، والأمور تحتاج إلى خبرة ودراسة كل الملفات التي ستُبحث على الطاولة.

وفي موازاة الدور الأميركي المباشر، لا تبدو باريس بعيدة عن دقة المرحلة وحساسيتها، إذ أكد الموفد الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان أن لبنان "في وضع خطير"، مرحّبًا في الوقت نفسه باستمرار المحادثات التي تتيح "أفقًا" للخروج من النزاع بين إسرائيل و"حزب الله".


مخيم البيال: لا لتكريس أمر واقع جديد

وفي الداخل، يتفاقم الجدل حول ما بات يُعرف بـ "مخيم البيال"، وفي هذا السياق، أعلنت غرفة العمليات المركزية في رئاسة مجلس الوزراء أنّه، جرت إزالة المنشآت الثابتة المقامة على واجهة بيروت البحرية، وأكدت أن الموقع الجديد التابع لبلدية بيروت لا يشكّل أكثر من 15% من المساحة التي انتشرت عليها الخيم سابقًا. وشددت على أنّ الإجراء "لا يهدف إلى إنشاء مخيم أو مركز إيواء رسمي، ولا إلى تكريس أمر واقع جديد، بل إلى حماية النظام العام والأمن في العاصمة وإزالة التعديات عن الأملاك الخاصة".