في كتاب "الأقليّات والتعدّدية مصدر وحدة أم تقسيم؟" للمحامي جورج جوزيف موصللي، قراءة جريئة لمسألة الأقليات والتعددية في دولتَي لبنان والعراق اللتَين تقفان على خط تماس دائم بين الاجتماع والسياسة. ينطلق البحث من تفكيك المفاهيم المتداخلة، ثم يعبر إلى التجربة اللبنانية والعراقية بوصفهما ساحتَين مفتوحتَين على اختبار الدولة الحديثة تحت ضغط الهويات. يعالج الكتاب الصادر عن "دار سائر المشرق" علاقة الطائفة بالمؤسسة والإثنية بالسلطة، والتنوّع ببناء النظام، ويضع القارئ أمام تاريخ تشكل الكيانَين كاشفًا كيف أسهم توزيع القوى في إنتاج أزمات متناسلة أو فرض شراكة قابلة للتطوير. الكتاب يطرح سؤال الدولة الجامعة ضمن بيئات منقسمة، ويقارب الفدرالية والتوافقية ومركزية القرار من زاوية نقدية عملية. رؤية تتجاوز السجال اليومي نحو تفكير هادئ في مستقبل الوحدة السياسية وإدارة الاختلاف ضمن عقد عام متجدد. هنا فصل من الكتاب.
على الشواطئ الشرقية من البحر الأبيض المتوسط، تمارَس منذ بعض العقود "لعبة طريق القدس"، بطرق وأساليب تثير الدهشة والرعب. نظام اللعبة يتألّف مما يلي:
لكلّ لاعب كرسيّ ما عدا واحد منهم، عندما تعزف الموسيقى يسير اللاعبون جنبًا إلى جنب حول الكرسي، وعندما تتوقف يُسرع كل لاعب ويجلس على أقرب كرسي منه. أما الذي لا يحصل على كرسي، فيُفصل تلقائيًّا. هذه هي "لعبة طريق القدس".
فعندما تتوقف موسيقى التحرّك الديبلوماسي، ينفجر الصراع المسلّح حول الكراسي. توقفت هذه الموسيقى للمرّة الأولى عام 1948، ثم توقفت لاحقًا عدّة مرّات: عام 1956، 1973، 1975، 1976، 1982...
في الجولة الأولى، دار الصراع حول الكرسيّ الفلسطيني، ومنذ العام 1975 يدور هذا الصراع حول الكرسيّ اللبناني. وبما أن الأمر ليس لعبة على الإطلاق، فلم يحترم أيّ من الفرقاء نظامها، لذلك لم يقبل أيّ لاعب بفصله، ولم يُبدِ أحد أيّ استعداد لتقاسم كرسيّه مع آخر منذ أن نال لبنان استقلاله عام 1943، وهو ما يزال منقسمًا في أزمة متجددة ومستمرة. والواقع أن الدولة اللبنانية وكما يُنظر إليها دولة مجزأة ومنقسمة، وفي المفهوم السياسي فإن السياسة اللبنانية قامت على مجموعة من الصدامات والعنف والخيبات، حتى اعتقد بعضهم على مرّ الأيام أن دولة لبنان بعيدة الاحتمال، وغير مرجّح قيامها بشكل فعّال وعصري.
نحن في شبه دولة منذ الاستقلال، في أزمات لا تتوقف. لقد ابتلينا بعد خمس سنوات بإعلان دولة إسرائيل، وقد تحمّل لبنان رأسًا تبعات مجيء اللاجئين الفلسطينيين إليه بعشرات الآلاف، وكل التداعيات التي نتجت عن ذلك. ثم ثورة 1958 وتقاتل، في العام 1961 محاولة إنقلاب، في العام 1967 حرب، في 1969 اتفاق القاهرة، في العام 1973 حرب، في العام 1975 حرب، في العام 1982 احتلال إسرائيلي، تدخل سوري، أو حضور أو احتلال، تقاتل داخلي، حروب الكل ضد الكل، اتفاق الطائف، فراغ دستوري، اتفاق الدوحة، فراغ دستوري آخر، عدوان إسرائيلي...
إن نظرة مبسّطة على التجربة التعايشية اللبنانية تتيح للباحث أن يستخلص المعادلة الأساسية التالية: خلاف / تقاطع / تسوية / افتراق / صراع / تسوية، وهي معادلة تكرّرت في كل المفترقات التاريخية في مسار الكيان. وهذه المعادلة تؤشر إلى أمرَين: التعايش ليس حالة تواصلية إيجابية دائمة بين المكوّنات المجتمعية، بل يخضع لجدلية الإنقطاع / الوصل، التعايش ثابت وظيفي، حتى إشعار آخر، بغض النظر عن السببيّات التي تفرض استمراريته (سواء كانت ظروفًا تاريخية ضاغطة، أو تحّولات ذهنية لدى الجماعات أو حسابات مصلحية). مع العِلم أن لبنان الرسالة واللقاء الحرّ، كان ضرورةً وحاجةً ولم يكن ممكنًا وجوده لولا ذلك. هو في ذاته، في تكوينه، في جوهره، في فلسفته، في بقائه، في قدرته، في صراعه، في مغامراته، بل قل في رسالته، لقاء حرّ، توافق حرّ على العيش المشترك في دولة واحدة سيّدة مستقلة.
هذا هو الثابت، أما الباقي، صيغة تترجم هذا الميثاق، فهذه متحرّكة حسب السياسة وقابلة للبحث والنقاش. والثابت أن يكون لبنان حرًّا. فروح التوافق متأصِّل بعمق في نفوس اللبنانيين، كما كشفت عن ذلك كافة المعطيات، هناك فقط كرتال من الأطراف المتخاصمة تمنع التوافق. كما أظهرت المعطيات بأن لدى أكثرية اللبنانيين مشاكل أقلّ في التوفيق معًا بين الهوية الطائفية والهوية القومية. يشعر المواطن بنفسه كمارونيّ أو كشيعيّ أو كسنّي، وفي الوقت نفسه كلبناني، تمامًا كما يشعر المواطن البافاري (نسبةً إلى سكان ولاية بافاريا)، أو الرانبلاندي (نسبةً إلى سكان ولاية الراين لاند في ألمانيا)، كمواطن في هذه الولاية أو تلك، وفي الوقت نفسه كمواطن ألماني.
فالشعور بالإنتماء إلى طائفة ما هو قويّ، ولكنه لم يفضل إلا من قبل أقلية صغيرة فقط على الإنتماء إلى الأمة اللبنانية. كل إنسان يريد أن يبقى كما هو، ويعترف بذات الشيء بالنسبة للآخر، وكذلك يريد العيش مع الآخرين وبسلام في ذات البلد.
إن قدرة لبنان على أن يحتوي ضمن حدوده الصغيرة جدًّا والمحدودة عددًا من الجماعات المتنافرة والمتنوعة دينيًّا وعرقيًّا وإثنيًّا بالإضافة إلى جنسيات أجنبية متفرقة، وفي غالب الأحيان زيادة مفرطة من الأيديولوجيات المتضاربة، هذه القدرة قد كانت على الدوام نابعة من طابع لبنان الفريد والتقدمي، وهو الطابع الذي ميّزه عن الدول العربية الشقيقة من شرق أوسطية، ناهيك بعدد من الدول والبلدان المتطورة في العالم.
إلا أن هذا التركيب المتنافر (غير المتجانس) والتعدّدي للشعب اللبناني قد خلّف في فترات متقطّعة آثاره السلبية وهي آثار شديدة الخطورة على حدّ سواء. فالتعدّدية تصبح في هذا المجال سيفًا ذا حدَّين، تبعًا لنوع التفاعل الحاصل ضمن الجماعات التعددية. ومع ذلك، كلّما حدث نوع إيجابي من التفاعل داخل الفئات اللبنانية المختلفة، أسفرت النتيجة عن قيام لبنان "القدوة"، وهذه القدوة بلغت إلى حد جعل البلدان الشقيقة المجاورة تنظر إلى لبنان بعين حاسدة وحملها على اعتبار الدينامية (مع أنها غير توجيهية) والحرّية (الفوضوية) والإزدهار الاقتصادي (غير المستقرّ إلى درجة عالية)، التي تميّز بها لبنان، لا سيما في الخمسينات والستينات ومطلع السبعينات، بمثابة خطر يتهدد أنظمتها الساكنة نسبيًّا.
لقد ضُرب المثل على الدوام بديمقراطية لبنان الفريدة المستحدثة، التي تقوم أساسًا على التآلف مع نظام لبنان الطائفي-السياسي، وتجعل من المواطن اللبناني منتسبًا أوّلًا إلى طائفته الدينية، بسبب غياب دولة المواطنة. ولم تأتِ هذه الديمقراطية بفعل تغيّرات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية، كما هي الحال مع الديمقراطيات الغربية، بل لتمكين التعايش المجتمعي الطوائفي من الاستمرار والصمود.
من هنا، فإن أول ما يلفت النظر في ديمقراطية لبنان هو التوافق بين الطوائف على كيفية تعايشها، وحول حصصها في الحكم وفي اتخاذ القرارات. لكن هذه "الديمقراطية" كانت في الحقيقة لا تؤمّن المساواة بين المواطنين ولا بين الطوائف على الصعيد السياسي، إذ كانت تجعل من بعض المراكز والمناصب السياسية حكرًا على طائفة دون أخرى، ولا تمكّن المواطن الكفوء من اجتياز حدود نصيب كل طائفة من المناصب والوظائف. وقد تجنب الدستور اللبناني (الموضوع سنة 1926) تحديد مبادئ إلزامية للتعاون بين مختلف الطوائف، بل آثر أن يترك المجال مفتوحًا للأخذ والعطاء.
هكذا قضى الدستور بأن توزع مناصب الدولة بين مختلف الطوائف على نحو عادل، لكنه لم يحدّد كيفيته، ولم يعيّن نسبة ما لهذا التوزيع، بل ترك ذلك للتفاهم والتسوية بين الفرقاء، وفقًا للظروف.
فدرالية الطوائف في لبنان انبثقت من واقع المجتمع اللبناني، وأثرت تأثيرًا كبيرًا في عمل مؤسساته الدستورية. وكان من الممكن أن تتطوَّر فدرالية الطوائف في لبنان وتسلك الاتجاه الذي يؤدّي إلى تحقيق وحدة المجتمع وترسيخ كيان الدولة. فميثاق 1943 انطوى على مشروع تكوين مجتمع لبناني متماسك، تكون انطلاقته الأولى في تعاون الطوائف تعاونًا فاعلًا ومستمرًّا. وكان من الممكن تطوير مفهوم الميثاق وتطوير الممارسة السياسية في إطاره، بما يضمن تحقيق الوحدة المنشودة.
