ميشال الدكاش

قيادة متأخّرة: حين يصبح القرار الصائب خطراً

5 دقائق للقراءة

في السياسة، ليست الكارثة أن يُتَّخذ القرار الخطأ، بل أن يُتَّخذ القرار الصحيح بعد فوات الأوان.

يتلعثم الحكم في لبنان اليوم؛ فالأحداث تسبق الدولة، والقرارات تصل دائماً متأخّرة، خطوةً أو حتى أجيالًا. وكأنّ الحكام لا يخافون الخطأ بقدر ما يهابون تحمّل مسؤوليته، فيؤجّلون ويراوغون، بانتظار أن تتضح الصورة قبل أن تتحوّل هذه الصورة نفسها إلى جزءٍ من الكارثة.

هنا، لا تعود المشكلة في نقص المعلومات، بل في نقص الجرأة. فكل لحظة تأخير في زمن الحرب ليست تجنّباً للخطأ، بل فاتورة مؤجّلة بكلفة أعلى ستُدفع لاحقًا. وقد يصحّ القول إنّ "القرار الصحيح في التوقيت الخاطئ يتحوّل إلى قرارٍ خطير"، ولبنان يملك أرشيفًا طويلًا من هذا النوع من "الصواب القاتل"، صوابٌ يأتي دائمًا بعد أن يكون قد فقد قيمته.

وليس ذلك مجرّد توصيف نظري، بل واقع موثّق. فمن انهيار الليرة اللبنانية، حين حذّر صندوق النقد الدولي عام 2016 من أنّ البلاد على حافة الهاوية، لكن "الحكمة السياسية" اقتضت التأجيل ثلاث سنوات، فجاء الانهيار؛ إلى انفجار مرفأ بيروت، حيث أكّدت التحقيقات وجود 2750 طنًا من نترات الأمونيوم منذ عام 2014، مع تحذيرات متكرّرة من عدّة جهات ، لكن "الحكمة السياسية" أجّلت القرار ستّ سنوات، فوقعت الفاجعة.

والمفارقة القاسية أنّ المسؤولين يعرفون ذلك. تراهم على الشاشات يتحدّثون بدقّة مذهلة عمّا يجري، يحلّلون ويشرحون، ويبدون كأنهم طلابٌ متفوّقون في مادة "تشريح الأزمات" لكنهم يفشلون في مادة واحدة فقط: اتخاذ القرار. كأنّهم مقتنعون بأنّ توصيف الحريق يوازي إخماده، وأنّ نقل الخطر إلى الناس يعفيهم من مسؤوليته.

في مشهدٍ سوريالي، يتحوّل الحاكم إلى مراسل، يوصّف للمواطن ما يعيشه أصلًا، وكأنّ هذا المواطن ينتظر تصريحًا رسميًا ليكتشف ما يدور في حياته. يخبرونه أنّ المرحلة دقيقة، وأنّ التصعيد محتمل، وأنّ المخاطر كبيرة وكأنّهم لا يعلمون أنّ الناس لم تعد تحتاج إلى من يشرح لها آلامها وتحدياتها، بل إلى من يجرؤ على اتخاذ قرارٍ استثنائي لوقفها.

لكن هذا الأداء ليس مجرد خللٍ إداري، بل انعكاس لسلطة عاجزة عن مواكبة اللحظة. فالأحداث في الحرب سريعة وقاسية، لا تنتظر أحدًا. أمّا السلطة في لبنان، فبطيئة ومترددة، تتحرّك بمنطق التسويات لا بمنطق الوقائع والحلول، وفق ذهنية "أوعى حدا يزعل أو بركي فِهمونا غلط". وبين الزمنين، مواطن يدفع الفاتورة.

في موازاة ذلك، ينقسم المجتمع اللبناني بين من أدمنوا التشاؤم، فلا يرون في الأفق أي حلولٍ جدّية، وبين من أدمنوا التفرد بالقرار، معتادين فرض قناعاتهم على الآخرين بوصفها الحقيقة المطلقة. وبين هؤلاء وهؤلاء، يبقى المواطن اللبناني عالقًا، لا يبحث عن تفسيراتٍ ولا عن ذرائع، بل عن مسؤولٍ يتحمّل قراره عند المنعطفات، بدل أن يرمي بثقلها عليه ويتركه يواجه مصيره بنفسه.

وفي غياب قيادةٍ واضحة، يتكاثر الضياع. لا أحد يقود الرأي العام، ولا من حاكم يملك الجرأة الكافية ليقول للناس الحقيقة كما هي، لا كما يجب أن تُسوَّق. يعيش المواطن في ضبابٍ يومي، لا يعرف ما يُحاك خلف الكواليس، ولا كيف ستنعكس القرارات على مستقبله المباشر. كل شيء يبدو مرتبطًا به من دون أن يكون شريكًا في أي قرارٍ يُتَّخذ باسمه. فلا حدّ أدنى من الطمأنينة، ولا خطط طوارئ واضحة، ولا تواصل فعلي معه، كأنّه متروك لمصيره مع حرصٍ لافت على تذكيره بضرائبه.

وهكذا، يتحوّل كل فرد إلى مشروع دولة: يؤمّن نفسه، ويفسّر ما يجري بطريقته، ويبحث عن مصادره الخاصة للحماية والمعرفة وتدبير أموره. لكن الأوطان لا تُبنى على مبادرات فردية، بل على ثقة جماعية… وهذه الثقة المجتمعية اليوم على المحكّ.

السخرية هنا ليست ترفًا، بل حقيقة موجعة، أن ترى مسؤولًا يصف لك الخطر من دون أن يتحرّك لتقليصه، وإن تحرّك فبعد أن يكون قد حسبها من جميع جوانبها السياسية الضيقة وزواريبها الانتفاعية تحت عنوان "الحكمة" و"الشفافية". أن تُدار دولة بردود الفعل، لا بصناعة الفعل، فهذه ليست سياسة، بل إدارة للأزمات بعد وقوعها.

لبنان لا يواجه حرباً فقط بل تخبُّطاً في إدارتها بحجمها الحقيقي. القيادة ليست في قراءة الأحداث، بل في استباقها وتقليص وطأتها. فالتاريخ لا يرحم المتأخرين، حتى لو كانوا على حق. فالأزمة لم تعد فقط في قراراتٍ تتأخّر بل في نظامٍ كامل لا يجيد العمل إلا بعد فوات الأوان.

والحلّ هنا لا يكون بانتظار قرارٍ أفضل، بل بفرض توقيتٍ مختلف. لبنان يحتاج اليوم إلى كسر هذه الحلقة. قرارٌ سريع، واضح، مُعلن، يتحمّل مسؤوليته من البداية، لا بعد أن تتراكم الخسائر. خطّة تُقدَم للناس بشفافية، بكلفتها قبل مكاسبها، لا رواية تُسوَّق بعد وقوع الضرر. وقبل كل ذلك، قيادة تدرك أنّ التوقيت جزءٌ من القرار، لا تفصيل يمكن تأجيله.

المشكلة ليست أنّ القرار غائب، بل أنّه دائمًا متأخّر. والحلّ ليس في تحسين مضمونه فحسب بل في استعادة توقيته وأي شيء أقلّ من ذلك، يكون تأجيلًا جديدًا لكارثةٍ أكبر... فلنتّعظ!




مدرّب وخبير في القيادة والاستراتيجيا