لم يكن تردّد قيادة الجيش اللبناني في تطبيق مبدأ حصر السلاح جنوب الليطاني خلال الأشهر الماضية مجرّد تفصيل تقني أو أمني، بل عكس معادلة دقيقة تحكم بنية الدولة وأجهزتها: الخوف من الانقسام والصراع الداخلي في مقابل أولوية الحفاظ على السلم الأهلي الهش. هذا التردّد، وإن بدا مبرَّراً في لحظة معيّنة، يعيد إلى الأذهان تجربة تاريخية مريرة تعود إلى عام 1975، حين أُحجم عن استخدام الجيش لضبط الأمن خشية تفكّكه، فكانت النتيجة انهياراً شاملاً أصاب الدولة والمجتمع، وصولاً إلى تصدّع المؤسسة العسكرية نفسها.
اليوم، يبدو أن المشهد يتكرّر بأشكال مختلفة. فالتطورات الأخيرة تشير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع واقع جنوب لبنان كحالة ظرفية أو تكتيكية، بل كفرصة استراتيجية لإعادة رسم الواقعين الأمني والديموغرافي. ومع سقوط آخر أوراق التين التي كان يغطي بها حزب الله مواقفه، وانكشاف دوره كفصيل مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، عبر فتح جبهة إسناد لإيران تتجاوز الحسابات اللبنانية، بدأت إسرائيل تعتمد استراتيجية تدريجية واضحة تقوم على الضغط المستمر: تدمير ممنهج للأرض، استهداف البنى التحتية، ومحو معالم القرى الحدودية.
ما يجري لا يمكن اختزاله في إطار ردّ عسكري تقليدي، بل يحمل مؤشرات على فرض واقع جديد: تفريغ مناطق جنوب الليطاني من سكانها وتحويلها إلى شريط مدمّر وعازل بحكم الأمر الواقع. وقد بدأت ملامح هذه الخطة تتكرّس عبر موجات النزوح الواسعة، التي تجاوزت بعدها الإنساني لتطرح أسئلة عميقة حول مستقبل هذه المناطق وهويتها الاجتماعية.
لكن الأخطر لم يأتِ بعد. فمع انتهاء المواجهات في جنوب الليطاني، قد يدخل لبنان، شعباً ودولة، مرحلة أكثر تعقيداً. إذ يُرجّح أن يستمر حزب الله في إطلاق الصواريخ من شمال الليطاني تحت ذرائع مختلفة، أبرزها “تحرير الأراضي المحتلة”. إلا أن هذا السيناريو سيضع البلاد مستقبلاً أمام معادلة شديدة الخطورة، خاصة إذا انطلقت العمليات من بيئات غير حاضنة له، ما يفتح الباب أمام احتكاكات داخلية وتوترات أمنية متصاعدة.
عندها، ستجد الدولة نفسها أمام اختبار مصيري: بين واجب فرض السيادة وتطبيق قراراتها، وبين خطر الانزلاق إلى صدام داخلي، لا سيما بعد قرارات الحكومة الأخيرة التي تحظر النشاط العسكري لحزب الله، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة سياسية وأمنية حساسة، وربما غير مسبوقة.
في هذا السياق، يبرز السؤال الجوهري: هل سيمتلك الجيش اللبناني، ومعه السلطة السياسية، القدرة على المبادرة وفرض معادلة الدولة؟ أم أن هواجس الانقسام ستبقى أقوى من قرار الحسم، فيقع البلد مجدداً في فخ إعادة إنتاج التاريخ؟
إن الإجابة لا تتعلّق فقط بالقدرة العسكرية، بل بالإرادة السياسية، وبمدى استعداد اللبنانيين، ولا سيما البيئة الحاضنة لحزب الله، للانتقال من منطق المحاور إلى منطق الدولة. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكن البشر يكرّرون الأخطاء ذاتها ويصلون إلى النتائج نفسها. فإما أن تحسم السلطة والشعب خيار السيادة بقرار واضح وشجاع، أو سيعيد التاريخ نفسه… ولكن هذه المرة على شكل مأساة أشدّ قسوة، بثمن أعلى، وأكثر دموية وجنوناً.