في الحروب، لا تكون الحقيقة أول الضحايا بل تكون أول ما يُخفى. وكما يقول المثل: كل شيء تم لا يمكنك إخفاءه وكل شيء لم يتم يمكنك إخفاءه.
فما يجري اليوم بين إيران والولايات المتحدة، لا يمكن قراءته من خلال التصريحات الرسمية أو الصحفية، ولا حتى عبر التصريحات النارية التي تتبادلها العواصم.
فبينهما لا تُدار حرب فقط، بل تُدار روايتان متناقضتان وما يُقال شيء وما يحدث شيء آخر، وهناك حرب تُدار أمامنا وأخرى تُدار بعيداً عنا.
واحدة تُبث بالصوت والصورة، وأخرى تُكتب بالرسائل السرية، والوساطات الصامتة، والتفاهمات التي لا يُعلن عنها في الغرف المغلقة، حيث لا كاميرات ولا بيانات رسمية فقط مصالح تُطبخ على نار باردة.
وإيران التي تنفي التفاوض علناً، تُرسل موافقة مرشدها عبر الوسطاء، وأميركا التي تتحدث عن إنهاء الحرب، تؤجل الضربات لا لتمنعها بل لتعيد ترتيبها.
فمن يكذب على من؟ وهل ما نشهده نهاية حرب أم بداية خدعة كبرى؟ وهل إيران استسلمت فعلاً، أم أننا أمام واحدة من أكبر عمليات الخداع السياسي في العصر الحديث؟
إيران تنفي في العلن أي مفاوضات وتظهر بمظهر الدولة الصامدة الرافضة، التي لا تتراجع تحت اي الضغط، لكن خلف الكواليس الصورة مختلفة فرسائل الموافقة تُنقل عبر وسطاء، ومكالمات تُجرى بعيداً عن الإعلام، وقنوات تواصل لا تُغلق، حتى في أشد لحظات التصعيد.
هذا التناقض ليس صدفة بل سياسة مدروسة، فإيران لا تستطيع أن تعلن التفاوض، لأن الإعلان يعني الاعتراف بالضغط والخسارة، أما أميركا لا تريد إعلان كل شيء، لأن الغموض جزء من استراتيجيتها وهكذا يُصنع الواقع المزدوج، إنكار أمام الشعوب وتفاهمات خلف الأبواب المغلقة. وفي الواقع تصنع حقيقة ثالثة لا تعترف بها أي جهة لكنها تحكم الجميع.
وترامب لا يفاوض بل يربك خصومه، ولا يديرهذه المواجهة كسياسي تقليدي، بل كمضارب كبير في سوق عالمي. فهذه بالنسبة له إدارة صدمة، يوقف الحرب خمسة أيام، تتنفس الأسواق، ويؤجل الضربات فتقفز الأسهم، ويرسل إشارات غامضة، فتتراجع أسعار النفط، ويترك الغموض يتكلم… فيرتبك الخصوم.
هذا ليس ارتجالاً بل تكتيك مدروس.. إجعل خصمك يخاف مما لا يفهمه. فهو لا يريد فقط الضغط على إيران بل يريد أن يجعلها تعيش في حالة ارتباك دائم.
فهل نحن أمام حرب؟ أم أمام صفقة؟ أم أمام فخ؟ هذه الاستراتيجية لا تستهدف طهران فقط، بل تضرب أيضاً حلفاءها، وأسواق العالم، وحتى خصوم أميركا الكبار.
ففي هذا الصراع، لم تعد الجبهات عسكرية فقط، بل أصبحت مالية، فالأسواق تتحرك مع كل تصريح،
والعملات ترتفع وتهبط مع كل تسريب، والرهانات المالية تسبق الأحداث أحياناً، وكأن هناك من يعرف ما سيحدث قبل أن يحدث، وهنا تظهر صورة أكثر خطورة، فالعالم لم يعد فقط يتابع الحرب بل يستثمر فيها، والدم أصبح رقماً، والتوتر أصبح فرصة، والحرب تحولت إلى “أصل مالي” يمكن المراهنة عليه وهذا أخطر من الحرب نفسها.
خلف خطاب السلام، تُرسم في الخفاء خرائط عسكرية وسيناريوهات لإنزال جوي، ووحدات جاهزة للانتشار، وخطط للسيطرة على مواقع استراتيجية، مثل جزيرة خرج الشريان الحيوي للنفط الإيراني، وهذه ليست مجرد تحليلات، بل خيارات حقيقية، تُناقش داخل غرف القرار، وهنا المفارقة، التفاوض لم يعد بديلاً عن الحرب بل أصبح جزءاً من تكتيكها.
تفاوض لتكسب وقتاً، تفاوض لتُربك الخصم، تفاوض بينما تستعد للضربة.
وهنا نقف أمام ما قاله الرئيس ترامب عن أنه تلقى هدية كبيرة وضخمة من قادة إيران الجدد تتعلق بالغاز والنفط وليس بالملف النووي وقد أشاد بهم أنهم الأشخاص المناسبين وهذا التصريح ليس عابرا بل لغز من داخل البيت الأبيض. فهل هذه الهدية هي مفتاح صفقة كبرى أم بداية لعبة أكبر؟
أما بالنسبة الى الشروط التي وضعتها إيران، فهي تحاول إعادة كتابة قواعد اللعبة، فحين نقرأ الشروط ندرك أن المسألة ليست اتفاقاً نووياً فقط، فإيران لا تطلب تخفيف عقوبات فحسب، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة العسكرية والسياسية في المنطقة، وإغلاق القواعد العسكرية الأميركية، وتطالب بتعويضات مالية، وضمانات أمنية، وترتيبات جديدة في مضيق هرمز، والإبقاء على برنامجها النووي الغير قابل لأي نقاش، ورفض المساس بالصواريخ الباليستية، وهذه ليست شروط تفاوض، بل إعادة تعريف للصراع، ومحاولة لفرض واقع جديد، وفي المقابل ترى واشنطن أن هذه المطالب غير واقعية، وأنها تعرقل أي اتفاق حقيقي، ومحاولة لكسب الوقت وفرض أمر واقع جديد لكن الحقيقة الأعمق ليست هنا.
الثقة هي الجثة التي لم تُدفن، والمشكلة لم تعد في اليورانيوم، ولا في الصواريخ. المشكلة أن إيران لا تثق بأميركا وأميركا لا تصدق إيران.. كما يحصل بين إسرائيل ولبنان. والمشكلة الأساسية هي الثقة. فإيران تعتقد أنها خُدعت سابقاً، وأميركا ترى أن طهران تستغل الوقت وتناور. وهكذا يتحول التفاوض إلى ساحة حرب باردة، حيث كل كلمة تُحسب، وكل خطوة تُفسر كخدعة محتملة، والابتسامات تُخفي حسابات قاتلة.
وفي هذا المناخ، لا أحد يفاوض ليصل إلى حل، بل ليكسب موقعاً أفضل في الصراع، والحقيقة القاسية التي لا يريد أحد قولها هي لا أحد منتصر. فلا إيران انتصرت كما تقول، ولا أميركا حسمت كما تريد، وكلا الطرفين يسوق لرواية النصر ويبيعها كما يريد. طهران تقول إنها صمدت ولهذا فرضت شروطها، وواشنطن توحي بأنها تسيطروتمسك بالخيوط وتعيد تشكيل إستراتيجية المنطقة.
أما الواقع فهو شيء آخر تماماً، توازن هش فوق برميل بارود ونحن لا نرى الحقيقة، بل ما يُسمح لنا برؤيته، والعالم الذي نراه ليس كما يبدو.
قد تنتهي هذه الحرب وقد تستمروقد تنفجر بشكل أكبر، لكن الأخطر هو الوعي. فلم نعد نعيش في زمن الحقائق الواضحة، ولقد أصبحنا أمام عالم لا يُدار بالوقائع، بل بالروايات المتعددة، ولا تُحسم فيه الحروب فقط بالقوة، بل بالقدرة على إخفاء الحقيقة، والقدرة على إدارة الإدراك وإقناع العالم بما تريد أن يراه، لا بما يحدث فعلاً، وفي زمن كهذا السؤال لم يعد: من سيربح؟ بل من يكتب الحقيقة، ومن يملك الجرأة ليكشفها، ومن يصدقها.