منع دخول بطريرك اللاتين إلى كنيسة القيامة يُربك إسرائيل

5 دقائق للقراءة
ترأس بيتسابالا قدّاس الشعانين على جبل الزيتون أمس (رويترز)

منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، وحارس الأراضي المقدسة فرانشيسكو إيلبو، من دخول كنيسة القيامة في القدس للاحتفال بقدّاس الشعانين "للمرّة الأولى منذ قرون" أمس، الأمر الذي أثار تنديدًا واسعًا، بينما برّرت السلطات الإسرائيلية قرارها بـ "مخاوف أمنية". ورأت بطريركية اللاتين أن الواقعة "سابقة خطرة، تتجاهل مشاعر مليارات الأشخاص حول العالم الذين يتجهون بأنظارهم إلى القدس خلال هذا الأسبوع"، موضحة أن الكاردينال جرى اعتراضه "أثناء توجّهه بشكل خاص ومن دون أي مظاهر لموكب أو طقس احتفالي". وسبق أن أعلنت البطريركية إلغاء مسيرة أحد الشعانين التقليدية التي عادة ما تنطلق من جبل الزيتون، مشيرة إلى أنه "منذ بداية الحرب، تصرّف رؤساء الكنائس بمسؤولية كاملة والتزموا بكافة القيود المفروضة".

واعتبرت البطريركية أن "منع الكاردينال وحارس الأراضي المقدّسة، اللذين يضطلعان بأعلى مسؤولية في الكنيسة الكاثوليكية والأماكن المقدّسة، يعدّ بشكل واضح إجراء غير معقول وغير متناسب"، مشدّدة على أن "هذا القرار المتسرّع والمشوب بعيوب جوهرية واعتبارات غير مناسبة، يمثل انحرافًا كبيرًا عن المبادئ الأساسية للمعقولية وحرّية العبادة واحترام الوضع القائم" في المدينة المقدّسة. ولاحقًا، قال بيتسابالا في قدّاس الشعانين أقامه في كنيسة جميع الأمم، المعروفة أيضًا بكنيسة الجثمانية، على جبل الزيتون، إن "الحرب لن تمحو القيامة، ولن يطفئ الحزن الأمل". وأضاف مخاطبًا جمعًا صغيرًا من المصلّين: "اليوم، لا نحمل سعف النخيل في الزياح، بل نحمل الصليب، الصليب الذي ليس عبئًا لا طائل منه، بل هو منبع السلام الحقيقي".

وفي ردود الفعل، رأى السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي أن القرار الإسرائيلي يُعدّ تجاوزًا مؤسفًا كانت له بالفعل تداعيات كبيرة حول العالم، ويصعب فهمه أو تبريره، معتبرًا أن "تعليمات قيادة الجبهة الداخلية تقيّد أي تجمعات بـ 50 شخصًا أو أقل، وكان ممثلو الكنيسة الكاثوليكية دون هذا الحدّ بكثير". وأوضح أن إسرائيل أشارت إلى أنها "ستعمل مع البطريرك لتأمين وسيلة آمنة تتيح إقامة نشاطات أسبوع الآلام". وندّدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بـ "إساءة للمؤمنين" بعد الحادث، مشيرة إلى أن هذا "يشكل إساءة ليس فقط للمؤمنين، بل لأي مجتمع يعترف بالحرّية الدينية"، فيما استدعت إيطاليا السفير الإسرائيلي في روما احتجاجًا على الخطوة. ودان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الواقعة، مؤكدًا "دعمه الكامل" للبطريرك.

كذلك، دانت الخارجية الأردنية منع البطريرك من الوصول إلى كنيسة القيامة، معتبرة إيّاه "خرقًا فاضحًا" للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وللوضع القانوني والتاريخي القائم، وانتهاكًا لحرّية الوصول غير المقيّد إلى أماكن العبادة. وشدّدت على أن "لا سيادة لإسرائيل القوة القائمة بالاحتلال على القدس"، مطالبة بـ "ضرورة وقف كافة الإجراءات التي تعيق وصول المصلين إلى أماكن عبادتهم".

أربكت تداعيات الخطوة تل أبيب، حيث سارع الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى إجراء مكالمة هاتفية مع بيتسابالا، أوضح للبطريرك خلالها أن "الحادثة نجمت عن مخاوف أمنية بسبب التهديد المستمرّ بشن هجمات صاروخية من جانب النظام الإيراني الإرهابي ضدّ السكان المدنيين في إسرائيل، وذلك عقب حوادث سابقة سقطت فيها صواريخ إيرانية في منطقة البلدة القديمة في القدس خلال الأيام الأخيرة". وأكد "التزام دولة إسرائيل الثابت بحرّية الدين لكافة الأديان، وبالحفاظ على الوضع القائم في الأماكن المقدّسة في القدس".

وذكر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه "على مدى الأيام القليلة الماضية، استهدفت إيران مرارًا الأماكن المقدّسة للديانات التوحيدية الثلاث في القدس بصواريخ باليستية... ونتيجة لذلك، طلبت إسرائيل موَقتًا من المصلّين من كافة الأديان الامتناع عن إقامة الشعائر في الأماكن المقدّسة في البلدة القديمة في القدس لحمايتهم"، حاسمًا أنه "لم تكن هناك أي نية سيّئة على الإطلاق، بل مجرّد حرص على سلامته (البطريرك) وسلامة مرافقيه". وأكد أنه "نظرًا إلى قدسية الأسبوع الذي يسبق عيد الفصح بالنسبة إلى مسيحيي العالم، تعمل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على إعداد خطة تمكّن قادة الكنائس من إقامة الشعائر في المكان المقدّس خلال الأيام المقبلة".

وأكدت الشرطة الإسرائيلية أن كافة المواقع الدينية في القدس مغلقة منذ بداية الحرب، موضحة أنه "تمت مراجعة طلب البطريرك" السبت، و "تبيّن أنه لا يمكن الموافقة عليه بسبب القيود المفروضة". وتحدّثت عن أن "المدينة القديمة والأماكن المقدّسة تقع في منطقة معقدة لا تسمح بدخول مركبات الطوارئ والإنقاذ الكبيرة، ما يحدّ من قدرات الاستجابة ويشكّل خطرًا حقيقيًا على الحياة البشرية في حال وقوع حدث جماعي".

وفي البلدة القديمة في القدس التي أجبرت محالها التجارية منذ بدء الحرب على إغلاق أبوابها، بدت الأزقة شبه خالية. وعبّر مسيحيون عن حزنهم لإلغاء مسيرة أحد الشعانين التقليدية. وقال أندريه (51 عامًا) لوكالة "فرانس برس" إن "هذا العام محزن جدًا. نحن معتادون دائمًا على المسيرة التي تبدأ من جبل الزيتون، لكن هذا العام بسبب احتياطات الحرب، تم منعها". كما تحدّث سيمون حواش (25 عامًا)، أحد سكان البلدة القديمة، عن أن "هذا العام بسبب الحرب لم نتمكّن من الاحتفال في الشوارع كما نفعل عادة، لذلك، نحتفل فقط داخل الكنيسة. هذا سيّئ".