يوسف يونس

بيان "معراب 3"... طرحٌ إنقاذي!

4 دقائق للقراءة

في لحظةٍ مفصلية من تاريخ لبنان، لم يعد ممكناً الاحتماء بالرماديات أو الهروب إلى العبارات الدبلوماسية. بيان "معراب 3" يكتسب أهميته لأنه يكسر هذا النمط، ويضع الوقائع كما هي: واضحة، مباشرة، ومن دون مواربة. والتمسّك به اليوم هو تمسّك بالحقيقة قبل أي شيء آخر.

لبنان لم يُزجّ في الحرب بفعل ظروف غامضة أو توازنات معقّدة، بل نتيجة قرار واضح اتخذه حزب الله بإمرة مباشرة من إيران. هذه ليست قراءة سياسية، بل توصيف واقعي لمسار الأحداث. قرار الحرب لم يصدر عن مجلس الوزراء اللبناني، ولا عن أي مؤسسة دستورية، بل فُرض لأن الحرس الثوري الإيراني قرّر ذلك. لذلك، فإن المسؤولية الأساسية تقع على النظام الإيراني كجهة راعية ومقرّرة، وكل محاولة لتوزيع المسؤوليات بشكل ضبابي هي تضليل متعمّد للرأي العام.

بيان "معراب 3" وضع مبدأً أساسياً: من قرّر الحرب هو من يدفع ثمنها. وبالتالي، فإن إعادة الإعمار ليست مسؤولية الدولة اللبنانية ولا دافعي الضرائب، بل مسؤولية إيران التي أدارت القرار. هذا الطرح ليس شعبوياً، بل قانوني وسيادي، ويستدعي مساراً واضحاً عبر توثيق كل الأضرار: النزوح، الدمار، الخسائر الاقتصادية، رفع دعاوى ومطالبات رسمية على المستوى الدولي، وتحميل الدولة الإيرانية المسؤولية الكاملة عن التعويض.

إن الاستمرار في تحميل اللبنانيين كلفة حروب لم يقرّروها هو تكريس لنهج الانهيار.

إذا كان القرار السياسي واضحاً، فإن المسار القضائي يجب أن يكون واضحاً أيضاً. بيان "معراب 3" يدعو صراحة إلى إنشاء محكمة خاصة — وطنية أو دولية أو مختلطة — لمحاسبة كل من أدخل لبنان في الحرب خارج إرادة الدولة.

هذه المحكمة ليست أداة انتقام، بل أداة تثبيت مبدأ أن لبنان الذي تحمّل ما لا قدرة له عليه، يجب أن يطالب بحقوقه ويجب أن يدفّع الثمن لكل عبث في أمنه وفي حياة اللبنانيين.

لنكن واضحين: لا دولة مع سلاح حزب الله. هذه ليست وجهة نظر، بل قاعدة في علم الدولة. وجود سلاح خارج الشرعية يعني حكماً وجود قرار خارجها. لذلك، فإن أي حديث عن إصلاح أو استقرار من دون معالجة هذا الملف هو وهم.

وأي تردد في تنفيذ قرارات مجلس الوزراء (5 و7 آب 2025 و2 آذار 2026)، والقرارات الدولية 1559 و1680 و1701، هو تواطؤ، وأي مراوغة جديدة هو تثبيت لسلطة خارجة عن القانون تغطي تنظيم محظور على المستوى الأمني والعسكري.

حين تعجز الدولة عن فرض سيادتها، يصبح اللجوء إلى المجتمع الدولي خياراً مشروعاً.

بيان "معراب 3" يطرح بوضوح إمكانية الاستعانة بقوات دولية تحت مظلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، استناداً إلى القرار 1701.

هذا الطرح لا يعني انتقاص السيادة، بل العكس، هو محاولة لإنقاذها من واقع مستباح.

السيادة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرة الدولة على بسط سلطتها. وإذا كانت هذه القدرة معطّلة، فالمساعدة الدولية تصبح جزءاً من استعادتها.

نحن نعلم جيّدًا ان السلاح لا يعمل وحده، بل يترافق مع مناخ ترهيب وتخوين. بيان "معراب 3" يسمّي هذا الواقع بوضوح: هناك حملة منظمة لإسكات الإعلام والمعارضين.

التصدّي لهذا الواقع هو جزء من معركة السيادة نفسها. فلا دولة حقيقية من دون إعلام حرّ، ولا حياة سياسية من دون رأي معارض.

حين يدين البيان الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، فهو لا يكتفي بموقف تضامني، بل يعيد تعريف موقع لبنان.

لبنان ليس جزءاً من مشروع إقليمي تقوده إيران، بل دولة لها عمق عربي ومصلحة في الاستقرار الإقليمي.

استمرار اختطافه في هذا المحور هو أحد أسباب عزلته وانهياره.

من أهم ما طرحه البيان أنه يفصل بين البيئة الحاضنة والقرار المفروض عليها. القول إن حصر السلاح بيد الدولة هو حماية لأهل الجنوب والبقاع والضاحية، لا استهداف لهم، هو مدخل أساسي لأي حلّ وطني. الدولة القوية تحمي الجميع، أما السلاح الخارج عنها فيعرّض الجميع للخطر.

بيان "معراب 3" ليس بياناً عادياً، بل لحظة وضوح في زمن الالتباس.

هو يقول بوضوح: إيران مسؤولة. حزب الله منفّذ. الدولة مغيّبة. والحلّ يبدأ بالمحاسبة واستعادة القرار.

التمسّك بهذا البيان هو تمسّك بفكرة أن لبنان يمكن أن يعود دولة فعلية، لا ساحة. وتبني الدولة بكل فروعها نقاط البيان كورقة إنقاذ حقيقية هو عين الصواب، أما الالتفاف عليه، فهو استمرار في سياسة دفعت البلاد إلى الانهيار… وقد تدفعها هذه المرّة إلى ما هو أخطر.