في السياسة اللبنانية، يمكن للأحزاب أن تختلف، أن تتنافس، بل أن تتصارع. لكن حين يتحوّل الصراع السلبي الغرائزي ضدّ الآخر إلى عنصرٍ تأسيسي في الهوية، يصبح السؤال أعمق من خلافٍ عابر. يصبح سؤالًا عن معنى الوجود السياسي نفسه.
اليوم، إذا أزلنا من خطاب التيار الوطني الحر، ومن أدبياته وجمهوره ومنصّاته الإلكترونية، عنصر التهجّم الدائم على «القوات اللبنانية»، ماذا يتبقّى فعلًا من فكره السياسي والاقتصادي؟
هل يبقى مشروع متكامل؟ أم فراغ يحتاج إلى تعبئة عاطفية سلبية دائمة كي لا ينكشف؟
انطلق التيار تحت عناوين كبرى: نشر الجيش، إلغاء الميليشيات، إخراج الجيش السوري، ثم تطوّر خطابه إلى شعار «الإصلاح والتغيير». وعد بدولة حديثة، بقضاء مستقل، بكهرباء 24/24، بإدارة شفافة، وباستعادة الكرامة الوطنية. استند إلى شعور عميق لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بالحاجة إلى دولة فعلية، واستطاع أن يحوّل هذا الشعور إلى قوة سياسية صاعدة.
لكن السلطة ليست منبرًا للخطابة، بل امتحان للنتائج وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.
عاد الرئيس ميشال عون من منفاه إلى الحياة السياسية بتسويات مع جيش الاحتلال السوري والسلطة اللبنانية التابعة له، ثم أبرم «تفاهم قاعة مار مخايل» الذي وفّر غطاءً سياسيًا لسلاح «حزب الله»، في تحوّل جذري عن أدبيات سابقة رفعت لواء إخراج الجيش السوري وحصرية السلاح بيد الدولة.
إستخدم التيار القوة العسكرية لحزب الله لفرض وزرائه وشل الدولة وتعزيز نفوذه ومع وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، امتلك التيار ما لم يمتلكه من قبل: موقع القرار، النفوذ التنفيذي، أكثرية وازنة في الحكومة والبرلمان، وقدرة على التأثير في مفاصل الدولة.
وماذا كانت الحصيلة؟ انهيار مالي غير مسبوق وعملة تتهاوى وودائع تُحتجز في المصارف وصفر تغذية كهربائية وإدارة مشلولة ودولة تتفكك أمام أعين شعبها الى درجة أجاب الرئيس السابق ميشال عون ردّاً على سؤال صحافي: نحن ذاهبون الى جهنم.
في تلك اللحظة، لم يعد ممكنًا الاكتفاء بلغة المؤامرة. ولم يعد اتهام الآخرين جوابًا كافيًا. فالحكم لا يُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
ثم جاءت انتفاضة 17 تشرين لتضع الإصبع على الجرح. صحيح أن مجموعات متعددة استفادت منها أو حاولت توظيفها سياسيًا، لكن سببها الجوهري كان تراكم الفساد وسوء الإدارة وبلوغ الأزمة الاقتصادية مستوى غير مسبوق في تاريخ لبنان الحديث. لم تكن صرخة عابرة، بل تعبيرًا عن انفجار ثقة شامل بين المجتمع والسلطة.
اليوم، من يتابع خطاب التيار واستراتيجيته الإعلامية يلحظ نمطًا متكرّرًا: تصويبًا دائمًا ومباشرًا على «القوات اللبنانية» باعتبارها الخصم الوحيد. لماذا؟ لأن الصراع أسهل من المراجعة والهجوم أسهل من الاعتراف بالفشل والتعبئة أسهل من تقديم كشف حساب.
عندما تغيب الإنجازات، يصبح تحويل اللوم إلى “عدوّ ” وسيلةً لتماسك جمهور مرتبك. وعندما يتراجع المشروع، تُستدعى الخصومة والعواطف السلبية والحقد لتعويض الفراغ. هكذا تتحوّل السياسة من مشروع بناء إلى إدارة مشاعر سلبية.
لنفترض سيناريو بسيطًا:أسبوع كامل بلا ذكر لـ«القوات».لا هجوم، لا مقارنة، لا تحريض.ماذا سيقول التيار لجمهوره؟
هل سيعرض خطة اقتصادية واضحة بجدول زمني محدّد؟
هل سيقدّم مراجعة صريحة لتجربة الحكم؟
هل سيشرح موقفًا حاسمًا من قضايا السيادة، والإصلاح البنيوي، واستقلال القضاء؟
هل سيعترف بالأخطاء قبل أن يطلب ثقة جديدة؟
إذا كان الجواب ملتبسًا، فالمشكلة ليست في الخصومة، بل في غياب الرؤية.
الدول لا تُدار بمنطق المعركة الدائمة،الاقتصاد لا ينتعش بالشعارات والثقة لا تُبنى بالتحريض.
لبنان اليوم يحتاج إلى قوى سياسية تعترف بأخطائها، تصحّح مسارها، وتقدّم بدائل قابلة للتطبيق. يحتاج إلى أحزاب تدرك أن النضج يبدأ حين يتحوّل السؤال من «هو أخطأ؟» إلى «ماذا سنفعل؟».
الحزب الذي يملك رؤية يبقى حاضرًا حتى في غياب خصومه.أما الحزب الذي يستمدّ طاقته من إدارة الحقد على خصومه، فيتراجع حين يهدأ الاشتباك.
في زمن الانهيار، لا يكفي أن تعارض خصمك. إمّا أن تملك مشروع بناء دولة…أو تصبح مجرّد صدى للآخرين.