في كتاب "Polar War - Submarines, Spies, and the Struggle for Power in a Melting Arctic" (حرب القطب الشمالي - الغوّاصات، الجواسيس والصراع على السلطة في القطب الشمالي الذائب)، الصادر حديثًا للباحث والصحافي Kenneth R. Rosen، يُقدَّم القطب الشمالي باعتباره ساحةً تتقاطع فيها تحوّلات المناخ مع طموحات الدول الكبرى. ما يطرحه الكتاب لا يقتصر على وصفٍ علميّ أو سردٍ تاريخيّ، بل يمثل قراءةً سياسيةً عميقة لِعالم يتغيّر من أقصاه الشمالي. ويشير روزن بوضوح إلى أن ما كان يُنظر إليه طويلًا كأطرافٍ بعيدة عن الصراع، أصبح اليوم مركزًا يُعاد فيه توزيع النفوذ العالمي. هذا الطرح لا يأتي كتحليلٍ نظريّ فحسب، بل يستند إلى وقائع ميدانية وشهادات ومعطيات علمية توضح كيف يتحوّل الجليد الذائب إلى عامل محرِّك للتنافس الدولي.
نهاية العزلة وبداية الانكشاف
يوضح الكتاب أن القطب الشمالي لم يعد ذلك الحاجز الطبيعي الصّلب الذي كان يفصل بين القوى. فمع التراجع السريع للجليد، بدأت المنطقة تنكشف أمام حركة الملاحة والتجارة، وهو ما وصفه الكتاب بتحوُّل استراتيجيّ يُعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي. هذا الانكشاف، كما يشرح روزن، لا يعني فقط اختصار الزمن بين آسيا وأوروبا، بل يفتح الباب أمام إعادة توزيع مراكز القوة الاقتصادية. الطرق البحرية الجديدة تحمل في طياتها إمكاناتٍ هائلة، لكنها في الوقت نفسه تعكس ضعف النظام البيئي الذي يتعرّض لضغطٍ غير مسبوق. ويؤكد الكتاب أن هذا التغيُّر يحدث بوتيرةٍ أسرع من قدرة الأنظمة السياسية على التكيُّف، ما يجعل القطب الشمالي نموذجًا مكثفًا لعلاقةٍ متوترة بين الطبيعة والسياسة، حيث تتقدّم الوقائع البيئية على القرارات الدولية.
ضمن ما يورده الكتاب، تعود الجغرافيا بقوّة إلى صدارة التحليل السياسي. فالموقع لم يعد مجرَّد خلفية للأحداث، بل أصبح عاملًا حاسمًا في تحديد النفوذ. يرصد روزن كيف تعمل روسيا على تعزيز حضورها عبر بُنيةٍ تحتيّة عسكريّة ومدنيّة واسعة، مستفيدة من امتدادها الجغرافي. وفي المقابل، يوضح أن الولايات المتحدة بدأت متأخرةً في إدراك أهمية المنطقة، لكنها تسعى إلى تعويض ذلك عبر استراتيجياتٍ جديدة.
أمّا الصين، كما يذكر الكتاب، فتقدِّم نموذجًا مختلفًا قائمًا على التغلغل التدريجي عبر البحث العلمي والاستثمار الاقتصادي، مع أبعادٍ استراتيجيةٍ غير معلنة بالكامل. هذا التعدّد في الأساليب يعكس طبيعة الصراع الذي لا يعتمد فقط على القوّة العسكرية، بل على أدواتٍ أكثر تعقيدًا ومرونة.
الموارد كوقودٍ للتنافس
يشدّد الكتاب على أن ما يدفع هذا الاهتمام المتزايد هو الثروة الكامنة تحت الجليد. فوفق ما ورد فيه، يحتوي القطب الشمالي نسبًا كبيرة من الموارد غير المكتشفة، وهو ما يجعله هدفًا رئيسًا للدول والشركات. لكن روزن يلفت إلى مفارقةٍ أساسية، إذ إن استغلال هذه الموارد يحدث في لحظةٍ يدرك فيها العالم أن الاعتماد عليها يمثِّل جزءًا من أزمة المناخ. هذا التناقض يضع القوى الكبرى أمام خياراتٍ صعبةٍ بين الربح الاقتصادي والاستقرار البيئيّ. كذلك يوضح الكتاب أن السباق على الموارد لا ينفصل عن القانون الدولي، حيث تسعى الدول إلى تثبيت مطالبها عبر آلياتٍ قانونية إلى جانب تعزيز وجودها الفعليّ على الأرض، ما يجعل الصراع متعدّد الأبعاد.
ومن أبرز ما يتناوله المؤلِّف كينيث ر. روزن، تصاعد النشاط العسكري في المنطقة، إذ يشرح أن القطب الشمالي لم يفقد أبدًا أهميته الاستراتيجية منذ الحرب الباردة، بل عاد اليوم ليحتلّ موقعًا أكثر حساسيةً. فالقواعد العسكرية، وأنظمة الرادار، ودوريّات الغوّاصات كلّها عناصر حاضرة بقوّة في مشهدٍ يعكس استعدادًا دائمًا لاحتمالات التصعيد. ورغم صعوبة القتال في هذه البيئة، فإنّ السيطرة عليها تمنح أفضليةً استراتيجيةً كبيرة. ويحذِّر الباحث من أن الخطر لا يكمن فقط في الحرب المباشرة، بل في الحوادث الصغيرة التي قد تتطوّر سريعًا، وهو ما يجعل المنطقة عُرضة لتوتراتٍ غير محسوبةٍ في ظلّ غياب آلياتٍ كافية لإدارة الأزمات.
الإنسان والجغرافيا السياسية
رغم الطابع الاستراتيجي للنقاش، يبرز الكتاب بُعدًا إنسانيًا مهمًا، إذ يوضح روزن أن سكان القطب الشمالي هم الأكثر تأثرًا بهذه التحوّلات، رغم أنهم الأقل حضورًا في مراكز القرار، فالتغيّرات البيئيّة تؤثر مباشرةً في أنماط الحياة التقليدية، من الصيد إلى الاستقرار العمراني. كما تواجه المجتمعات المحليّة تحدياتٍ متزايدة في التكيُّف مع واقعٍ يتغير بسرعةٍ تفوق قدرتها على الاستجابة. ويؤكد المؤلِّف أن تجاهل هذه الأصوات يعكس خللًا في فهم طبيعة الأزمة، إذ لا يمكن فصل الجغرافيا السياسية عن البعد الإنسانيّ الذي يشكل جوهر الاستقرار في المنطقة.
يعرض الكتاب أرخبيل سفالبارد بوصفه مثالًا حيًّا على تعقيد المشهد القطبيّ. هذه المنطقة، كما يوضح روزن، تجمع بين التعاون الدوليّ والتنافس السياسي في آنٍ واحد. كما أن الوجود المتعدّد الجنسيات، والقيود المتزايدة، والتوترات غير المعلنة، كلّها عناصر تجعل من سفالبارد صورة مصغّرة لِما يحدث في القطب الشمالي. ويُبيِّن الكتاب كيف يمكن لنظامٍ قائمٍ على التوافق أن يتحوّل تدريجيًا إلى ساحة تنافسٍ خفيّ.
ويطرح الكتاب سؤالًا جوهريًّا حول مستقبل القطب الشمالي. فبينما تتحدّث الدول عن التعاون، تشير الوقائع، كما يعرضها روزن، إلى تصاعد المنافسة، فالاستثمارات العسكريّة والمشاريع الاقتصادية والنزاعات القانونية، كلّها تدلّ على أن منطق المصالح الوطنية لا يزال هو المسيطر. وفي الوقت نفسه، يظلّ التحدّي البيئيّ عاملًا مشتركًا يفرض الحاجة إلى تنسيقٍ دوليّ أوسع. هذا التناقض يجعل القطب الشمالي ساحة اختباريّة لقدرة النظام الدولي على التعامل مع أزماتٍ معقدة تتداخل فيها المصالح مع المخاطر.
مستقبل يتشكل في الشمال
في ضوء ما يقدّمه كتاب "Polar War - Submarines, Spies, and the Struggle for Power in a Melting Arctic"، يتضح أن القطب الشمالي لم يعد هامشًا جغرافيًا، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل مستقبل العالم. كما أن التحوّلات التي يرصدها الكتاب تشير إلى أن ما يحدث هناك سيؤثر في أنماط التجارة، وتوازنات القوة، واستقرار المناخ. المنطقة لم تعد بعيدة من مراكز القرار، بل أصبحت جزءًا منها.
إذًا يُقدِّم روزن رؤية تحذيريّة بِقَدْر ما هي تحليليّة، مفادها أن العالم يقف أمام فرصةٍ للتعاون، لكنه يسير بخطوات متسارعة نحو التنافس. وبين هذَين المسارَين، يتحدّد مستقبل منطقة قد تكون الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.
الاقتصاد الخفيّ
يلفت ما ورد في الكتاب إلى بُعدٍ أقلّ وضوحًا يتعلّق باقتصادٍ ناشئٍ حول الممرّات القطبية، حيث لا تقتصر المنافسة على الدُّول بل تمتدّ إلى شركات الشحن والتأمين والطاقة التي تعيد حساباتها وفق المخاطر الجديدة. فتكلفة المرور وتأمين السفن والبُنية التحتية للموانئ، كلّها عناصر تُنشِئ نظامًا اقتصاديًا جديدًا يتشكّل تدريجيًا. هذا الاقتصاد لا يُدار فقط بالربح، بل بالتقدير الدقيق للمخاطر المناخيّة والسياسيّة معًا، ما يمنح القطب الشمالي وزنًا متزايدًا في القرارات العالمية.
المؤلِّف وأبحاثه في القطب الشمالي كينيث ر. روزن، صحافيّ وكاتب وباحث، حائز جوائز دولية في مجال الصحافة، منها "جائزة كيرت شورك" و "جائزة بايو - كالفادوس"، ومرشح نهائيّ مرّتَين لـ "جائزة ليفينغستون" عن تغطيته لسوريا والعراق. باحث زائر في جامعة كولومبيا، نُشرت أعماله في أبرز المنصّات، مثل "نيويوركر" و "نيويورك تايمز". يعيش بين الولايات المتحدة الأميركيّة وشمال إيطاليا مع عائلته. بحسب ملاحظات وضعها في الكتاب، أبرز الصحافيّ والباحث بأنه اعتمد على مئات المقابلات ووثائق حكوميّة وعسكريّة وتقارير دولية، ليطرح فكرة أن منطقة القطب الشمالي تشهد تصاعد صراع يشبه "حربًا باردة" جديدة، مع تراجع دَور الولايات المتحدة مقارنةً بحلفائها الذين اتخذوا خطوات أكثر فاعلية. ووثق روزن رحلات ميدانية استمرّت عامَين في مناطق القطب الشمالي، شملت التنقل بوسائل متنوِّعة وحضور فعاليات عسكرية وسياسية، بهدف رصد التحوّلات والاستعدادات في المنطقة. كما استند إلى تجارب مباشرة مع السكّان المحليّين وظروف حياتهم. منهجيًّا، اعتمد الكاتب على مقابلات موثقة ومصادر متعدّدة، مع الحرص على التحقق من المعلومات، مع الإشارة إلى أن العمل لم يدّعِ الإحاطة الكاملة بالموضوع، بل قدّم عرضًا جزئيًا لواقع معقد ومتسِع. |
