الشرع في ألمانيا... اللاجئون و"الإعمار" في الصدارة

5 دقائق للقراءة

يتابع الرئيس السوري أحمد الشرع نهجه القائم على فك العزلة الدولية التي كانت تخنق البلاد إبان حكم بشار الأسد، وإعادة صياغة العلاقات السورية الخارجية على أساس المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، بهدف تأمين الموارد والطاقات اللازمة لبناء "سوريا الجديدة". في هذا السياق، أجرى الشرع برفقة عدد من وزرائه خلال اليومين الماضيين أوّل زيارة له إلى ألمانيا، حيث استقبلته الجالية السورية في برلين بحفاوة لدى وصوله الأحد، والتقى كبار المسؤولين الألمان وممثلي كبرى الشركات الألمانية، الذين وقعوا مذكرات تفاهم مع سوريا في مجالات عدّة أمس. وبينما ركّزت الزيارة بشكل رئيسي على التعاون في إعادة إعمار سوريا، حظي ملف عودة اللاجئين السوريين في ألمانيا إلى بلادهم باهتمام كبير خلال المحادثات.

بدأ الشرع زيارته الأحد بلقاء وفد من الجالية السورية في برلين، حيث أكد لهم أهمية دور السوريين المغتربين في نقل صورة سوريا الحقيقية والدفاع عن قضاياها، والمساهمة في إعادة إعمارها وتطويرها، معربًا عن اعتزازه بتمسّك أبناء الجالية بهويتهم الوطنية، وارتباطهم بوطنهم. ورأى أن أشدّ العقوبات التي عرفتها البشرية تهجير الناس قسرًا من أوطانهم، معتبرًا أن ما تعرّض له السوريون دفع الكثيرين إلى مغادرة البلاد رغم ارتباطهم العميق بها. وشدّد على أن ما اكتسبته الجاليات السورية في الخارج من خبرات وتجارب يشكّل رصيدًا مهمًا يمكن الاستفادة منه في دعم مسيرة إعادة الإعمار.

وعقد الشرع اجتماعًا مع نظيره الألماني فرانك فالتر شتاينماير في قصر بيلفيو في برلين أمس بحضور عدد من المسؤولين من كلا البلدين. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات، مؤكدين حرصهما على توسيع آفاق التعاون، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين. والتقى الشرع لاحقًا المستشار الألماني فريدريش ميرتس في مقرّ المستشارية، حيث بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وسبل تعزيز العلاقات الاقتصادية، ودعم الاستقرار الاقتصادي في سوريا، وإعادة الإعمار وقطاع الطاقة، إلى جانب ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا.

وخلال مؤتمر صحافي مشترك مع ميرتس بعد لقائهما، شكر الشرع ألمانيا على فتح أبوابها للاجئين السوريين، مؤكدًا أن بلاده تعمل مع برلين على إنشاء "نموذج هجرة دائرية"، الذي من شأنه تمكين "السوريين من المساهمة في إعادة إعمار وطنهم من دون التخلّي عن الاستقرار والحياة التي بنوها هنا، بالنسبة إلى من يرغبون في البقاء"، فيما رأى ميرتس أن "النمو الاقتصادي والاستقرار في سوريا ركنان حاسمان لإنجاح إعادة الإعمار، والسوريون العائدون من ألمانيا سيلعبون دورًا مهمًا في ذلك بما اكتسبوه من خبرات"، مؤكدًا أن الطرفين يعملان معًا على عودة اللاجئين السوريين. وكشف أنه اتفق مع الشرع على أن ثمانية من كل 10 سوريين في ألمانيا ينبغي أن يعودوا "خلال السنوات الثلاث المقبلة".

وذكر ميرتس أن ألمانيا تريد "دعم" إعادة الإعمار في سوريا، لافتًا إلى أن وفدًا ألمانيًا سيزور سوريا لهذا الغرض خلال الأيام القليلة المقبلة، لكنه صرّح بأنه أكد للشرع أن هذه المشاريع المشتركة تبقى رهن التطوّر المحرز في تمتين أسس دولة القانون في سوريا، حاسمًا أنه "بعد اجتماعنا، أنا واثق من أن هذا يمكن تحقيقه في سوريا". وشدّد الشرع على أن "ما نطرحه اليوم هو نموذج استثمار استراتيجي طويل الأمد يفتح الباب أمام السوق الألمانية والاقتصادات الأوروبية للمشاركة في إعادة الإعمار".

وجزم الشرع بأن "استقرار سوريا وسلامة مواطنيها يمثلان مصلحة أمنية عالية، كما أن مكافحة الإرهاب واجتثاث شبكات تهريب الكبتاغون العابرة للحدود يمثلان أولوية قصوى نعمل عليها بشراكة جادة مع المجتمع الدولي"، مشيرًا إلى أنه "نتابع ببالغ القلق التصعيد العسكري في منطقتنا، وندين بأشدّ العبارات أي مساس بأمن وسيادة الدول العربية الشقيقة، ونرفض بشكل قاطع جعل منطقتنا مسرحًا لتصفية الحسابات". وحسم أن "بناء سوريا قوية مستقرّة يتطلّب حصر القوة والقرار بيد مؤسسات الدولة الشرعية وحدها لضمان أمن جميع السوريين من دون استثناء"، زاعمًا بأنه "نحن نكرّس مبدأ القانون على حساب المصالح الشخصية الضيّقة". وفيما تظاهر كرد ودروز وعلويون سوريون في ألمانيا ضدّ زيارة الشرع، خرج سوريون مؤيّدون للشرع إلى الطرقات وواكبوا تحرّكاته. بالتوازي، دعا ممثلو الأقلية الآرامية المسيحية السورية إلى "نهج سياسي شامل يعترف بالتنوّع التاريخي للبلاد ويرسّخه مؤسسيًّا".

وكان الشرع قد أكد خلال مشاركته في منتدى الأعمال الألماني - السوري، أن بلاده تعيد إنشاء البنية التحتية للطاقة وتمتلك فرصًا استثمارية في كافة القطاعات، لافتًا إلى أنه "توجد في سوريا فرص استثمارية كبيرة في البنى التحتية والثروات النفطية والغازية، خصوصًا بعد استعادة الحكومة السيطرة عليها". وأشار إلى أن حاجة سوريا إلى نحو مليوني وحدة سكنية تفتح بابًا كبيرًا للاستثمار العقاري، مؤكدًا إجراء تعديلات على قانون الاستثمار لتسهيل وتشجيع الاستثمارات. وأوضح أن الكثير من الشركات العالمية والإقليمية أقبلت على الاستثمار في سوريا بقيمة استثمارية تقارب 59 مليار دولار خلال سنة واحدة، متحدّثًا عن أن "سوريا تشكل ملاذًا آمنًا لسلاسل توريد الطاقة إلى أوروبا بشكل سريع وآمن عبر موقعها الاستراتيجي". وشارك الشرع في اجتماع حول طاولة مستديرة مع عدد من ممثلي الشركات الألمانية، حيث قدّمت الشركات الألمانية عروضًا في قطاعات اقتصادية عدّة، شملت الطاقة والتمويل والأمن والتحول الرقمي، إضافة إلى البناء والرعاية الصحية والخدمات اللوجستية، كما شهد الاجتماع توقيع عدد من مذكرات التفاهم بين الجانب السوري وعدد من الشركات المشاركة.