د. محسن إميل المكاري

"إلى تلك التلال التي تحفظ الذاكرة"

3 دقائق للقراءة

إلى قرى جنوب لبنان المسيحية الصامدة،

إلى تلك التلال التي تحفظ الذاكرة، وإلى البيوت التي تشهد على الإيمان المتجذّر في الأرض، إلى كل عائلة بقيت رغم الخوف، وتمسّكت رغم التهديد، نوجّه هذه الرسالة التي تنبض وجدانًا وإنسانية وكرامة.

إلى الأرض التي لا تُختصر بجغرافيا، بل تُروى بالدمع والعرق والصلاة، إلى البيوت التي تعانق التراب كأنها جزء منه، وإلى الناس الذين لم يغادروا رغم كل ما مرّ، نكتب هذه الكلمات شهادة وفاء واعتزاز.

أنتم أبناء جذورٍ أعمق من كل العواصف. جذور تمتد في تاريخ هذه الأرض منذ قرون، حين كانت هذه القرى منارات حضورٍ وإيمان، شاهدة على تعاقب الأزمنة، وصامدة في وجه كل من ظنّ أن بإمكانه اقتلاعها. لم تكونوا يومًا طارئين، ولم يكن وجودكم تفصيلاً عابرًا، بل كنتم دائمًا جزءًا أصيلاً من حكاية لبنان.

في كل حجرٍ من بيوتكم، ذاكرة. في كل دربٍ ضيّق، قصة صمود. في كل كنيسة، صلاة لم تنقطع، حتى في أحلك اللحظات. هذا التجذّر ليس مجرد انتماء، بل هو فعل بقاء، هو قرار تاريخي بأن تبقوا حيث أنتم، مهما تبدّلت الظروف واشتدّت الضغوط.

لقد واجهتم العدوان لا بالسلاح، بل بالإرادة. إرادة صلبة لا تلين، تعرف أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الكرامة لا تُساوَم. رفضتم الخضوع، ورفضتم أن تُفرض عليكم خيارات لا تشبهكم، فكنتم أحرارًا في زمنٍ حاول فيه الكثيرون كسر إرادة الإنسان.

إن تمسّككم بأرضكم ليس عاطفة عابرة، بل هو علاقة وجود. الأرض بالنسبة لكم ليست ملكية، بل هوية، ليست مجرد مساحة، بل ذاكرة وامتداد ومستقبل. من يتركها يخسر جزءًا من نفسه، وأنتم اخترتم أن تبقوا كاملين، ثابتين، متجذرين.

لقد حاولوا أن يزرعوا الخوف، فزرعتم الثبات. حاولوا أن يفرضوا العزلة، فتمسكتم بالانتماء. حاولوا أن يغيّبوا حضوركم، فكنتم أكثر حضورًا من أي وقت مضى. في كل حجر، في كل كنيسة، في كل شجرة زيتون، تكتبون حكاية البقاء.

إلى اللبنانيين: هنا نموذج لا يُستهان به، نموذج إنسان قرر أن يكون سيّد قراره، متمسكًا بحريته، رافضًا أن يُقتلع أو يُخيفه التهديد. هذه القرى تختصر معنى الإرادة الوطنية الحقيقية، حيث لا مساومة على الأرض ولا على الكرامة.

وإلى العالم: هنا، في جنوب لبنان، يعيش أناس يرفضون أن يكونوا ضحايا أو أرقامًا في نشرات الأخبار. هم أصحاب أرض، وأصحاب حق، وأصحاب قضية إنسانية عادلة. إن صمودهم يستحق أن يُرى، وأن يُدعم، وأن يُحترم.

في جنوب لبنان، هناك شعب صغير في عدده، كبير في ثباته، يكتب كل يوم معنى الحرية بأبسط الأفعال: بالبقاء. هذا البقاء ليس سكونًا، بل مقاومة من نوع آخر، مقاومة الحياة في وجه كل محاولات الإلغاء.

قد تشتد العواصف، وقد يطول الليل، لكن التاريخ علّمنا أن ما هو متجذّر لا يُقتلع، وأن من امتلك إرادة البقاء، انتصر في النهاية. أنتم لستم فقط شهودًا على التاريخ، بل صانعوه، لأنكم اخترتم أن تبقوا.

رغم الألم، هناك أمل. رغم التحديات، هناك مستقبل. لأن من يعرف كيف يتمسك بأرضه، يعرف كيف يبني غده. ومن يحمي ذاكرته، لا يُهزم.

ابقوا كما أنتم: جذورًا لا تُقتلع، ونورًا لا ينطفئ، وشهادة حيّة أن لبنان، مهما اشتدت عليه العواصف، لا يزال قادرًا على النهوض.

ابقوا كما أنتم: أرضًا لا تُباع، إرادة لا تُكسر، وحرية لا تُقايَض.

انتم جنوب الوطن المقاوم…وأنتم كرامة الأرض والإنسان.

لكم التحية… ولكم الوعد بأن جذوركم ستبقى أقوى من كل الرياح.



د. محسن آميل المكاري: استاذ الـ Geopolitics، الدبلوماسية، العلاقات الدولية والمفاوضات الاستراتيجية، خريج جامعة "Harvard" ورئيس المكتب السياسي لـ "منتدى الارز" "Cedars Forum"