ليس من قبيل الصدفة أن يحدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مهلة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع لإنهاء الأعمال القتالية في إيران. فهذا الإطار الزمني يعكس عدة عوامل، من بينها مستوى التخطيط والتنفيذ العملياتي المتقدم والدقيق جدًا للجيش الأميركي. كما أنه يتماشى مع الفترة المحدودة التي يستطيع خلالها الرئيس إدارة عمليات عسكرية من دون العودة إلى الكونغرس للحصول على تفويض (60 يومًا). والأهم من ذلك أنه يتجنب جرّ الصراع إلى حرب طويلة الأمد قد تنفّر الناخب الأميركي في عام انتخابي. فاستمرار القتال لفترة أطول قد لا يؤدي فقط إلى تراجع تأييد الرأي العام لترامب، بل قد يزيد أيضًا من الخسائر العسكرية، ويربك الأسواق العالمية، وتحديدًا النفطية التي تنعكس مباشرةً على الأسواق الأميركية.
ما هي خطة ترامب؟
في تاريخ الحروب لم يتم إسقاط أي نظام حكم من خلال ضربات جوية فقط من دون اللجوء إلى عمليات برية. فالولايات المتحدة ما زالت تعاني من نوع من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) المرتبط بتجربة تغيير الأنظمة على طريقة العراق وأفغانستان، أي نشر قوات على الأرض وإنفاق تريليونات الدولارات على إعادة بناء الدول، وهو سيناريو لن يتكرر في أي وقت قريب. ومن هنا برز نموذج "مادورو" الذي شاهدناه في فنزويلا، وهو نموذج غير مسبوق في تاريخ الحروب ويُعدّ نجاحًا باهرًا للجيش الأميركي. وتسعى الولايات المتحدة اليوم إلى تكرار هذا السيناريو ولكن بصيغة تتناسب مع النظام الإيراني، بحيث لا تحتاج إلى إسقاط النظام بالكامل وتحمل تبعات الفوضى وإعادة الإعمار، بل إلى إخضاعه بتفوقها العسكري والاستخباراتي الكبير، عبر الإبقاء على قيادات مستعدة للتفاوض مع ترامب وقبول "الاستسلام" وفقًا لشروطه.
التحول في السياسة الأميركية تجاه إيران
ومع أن الجمهورية الإسلامية في إيران هي الجهة التي ألحقت أكبر الخسائر في صفوف الجنود الأميركيين منذ حرب فيتنام، بدءاً في لبنان ثم في العراق، فإن الولايات المتحدة لم تبادر في الماضي إلى ضرب إيران مباشرةً (باستثناء أحداث عام 1988 مع البحرية الأميركية) أو إلى العمل على إسقاط نظامها. بل ذهبت واشنطن، في عهد الرئيس باراك أوباما، إلى حدّ التغاضي عن التوسع الإيراني الذي سمح لطهران بالسيطرة على أربع عواصم في الشرق الأوسط: بغداد وصنعاء ودمشق وبيروت. وقد أدى ذلك إلى تأزّم الجبهات في المنطقة العربية، وإلى تقارب بين عدد من دول الخليج وإسرائيل بعد شعورهم بنوع من التخلّي الأميركي. لكن في ظل ”انفتاح واشنطن“على طهران، أخطأ نظام الملالي في تقدير الخطوط الحمر الأهم لدى الولايات المتحدة، ولا سيما لدى إدارة ترامب، وهي أمن إسرائيل والمشروع النووي الإيراني.
فقد جاءت عملية 7 أكتوبر 2023 كأكبر نكسة في تاريخ الدولة العبرية، وعرضت وجودها لخطر الزوال. فمن دون أمن لمواطنيها، لا مستقبل لإسرائيل. ومنذ ذلك الحين، تعمل إسرائيل على تحويل أكبر هزيمة في تاريخها إلى انتصار ساحق يعيد الاعتبار لشعبها ويعيد الثقة بجيشها بعد المجزرة التي حلّت بعسكرييها ومدنييها. وبالتالي تم تدمير غزة مع القدرات العسكرية لحركة حماس، وإسقاط نظام الأسد، ويجري الآن "ترويض" إيران، وهو ما سيتبعه معالجة الأذرع الإيرانية في المنطقة، تحديداً في لبنان. في صيف 2024، فور الانتهاء من جبهات غزة وسوريا، تم ضرب المشروع النووي الإيراني، ثم جاءت الفرصة المناسبة للانقضاض على النظام في ظل المظاهرات العارمة التي قُتل فيها عشرات الآلاف من المتظاهرين العزّل. عندها بدأت الولايات المتحدة بحشد قوة عسكرية تُعدّ الأكبر في المنطقة منذ اجتياح العراق عام 2003. وفي الوقت نفسه، واصل ترامب التفاوض مع القيادات الإيرانية. لكن فجأة، ومن دون أي إنذار، استُهدف اجتماع كان يضم المرشد الأعلى علي الخامنئي وعدداً من كبار القادة، ما أدى إلى مقتل معظمهم. ويرجّح أن نجاح تلك الضربة القاتلة ارتبط باجتماع القيادات الإيرانية لمناقشة شروط ترامب الأخيرة، بعد أن أوحى لهم بإمكانية التوصل إلى تسوية دبلوماسية، ما قد يكون دفعهم إلى الاجتماع وأتاح استهدافهم.
الانتحار أو الاستسلام
وهكذا، خلال أربعة أسابيع من القصف المتواصل، خسرت إيران مرشدها الأعلى وكبار قادتها، إضافة إلى قدراتها النووية وجزء كبير من قدراتها الصاروخية الباليستية. كما فقدت بحريتها وسلاحها الجوي، والأهم من ذلك خسرت إيران مكانتها بين دول المنطقة التي استهدفت معظمها بالصواريخ والطائرات المسيّرة. أما القادة الإيرانيون الذين أبقاهم ترامب على قيد الحياة ”عن سابق تصور وتصميم“، فقد باتوا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: الانتحار أو الاستسلام. وعلى عكس الرئيس جورج بوش، الأيديولوجي بامتياز والذي سعى فعلياً إلى تحرير الشعوب في أفغانستان والعراق ولبنان، فإن لترامب البراغماتي حسابات أخرى، وقد لا يكون تحرير الشعب الإيراني بالضرورة على رأس سلّم أولوياته. ويمكن اختصار الشروط الأميركية بالتالي: لا سلاح نووياً، لا أذرع إقليمية، لا صواريخ باليستية بعيدة المدى، ولا إغلاق لمضيق هرمز. وقد يلي ذلك إبرام اتفاقيات نفطية تعزّز النفوذ الأميركي على مصادر الطاقة، بحيث تنضم إيران إلى فنزويلا ضمن منظومة الطاقة التي تدور في الفلك الأميركي، إلى جانب الحليفة التقليدية لواشنطن، المملكة العربية السعودية.
سيناريوهات التغيير داخل إيران
طبعاً لن تتخلى الولايات المتحدة عن المعارضين الإيرانيين، بل ستسعى إلى تحسين أوضاعهم، بما يتيح حدوث تغيّرات ديمقراطية، ولو بشكل تدريجي، تماماً كما يحصل في فنزويلا. وفي حال أصر النظام على قمع المعارضة، قد تذهب الإدارة الأميركية إلى سيناريو إضعاف وتفتيت إيران من الداخل من خلال دعم الأقليات التي تشكل حوالي ٤٠ في المئة من إجمالي الشعب الإيراني، وتحفيزها على المطالبة بالاستقلال. وقد تكون بوادر ذلك السيناريو قد بدأت بالظهور مع دعم واضح للأكراد في إيران.
الجبهة اللبنانية
وبغضّ النظر عمّا إذا كانت القيادة الإيرانية سترضخ لشروط ترامب الحالية أو إن كنا متجهين نحو تصعيد عسكري أكبر مع اجتياح أميركي بري محدود للسيطرة على جزر إيرانية استراتيجية، فقد أصبح شبه مؤكد أن الملف الإيراني قد فُصل تماماً عن الملف اللبناني في الحسابات الأميركية-الإسرائيلية، وأن تل أبيب مصمّمة على تدمير القدرات العسكرية لحزب الله بغض النظر عن نتائج الحرب في إيران. فالدولة العبرية لن تفوت عليها فرصة تاريخية لتحقيق الأمن على جبهتها الشمالية، إذ بادرت إلى استدعاء أكثر من 400 ألف جندي من الاحتياط، وهذا العدد يشكل أضعاف القوة التي احتلت بيروت عام 1982 والتي تقدر بـ75 ألف جندي. وحتى الآن، فإن البطء في التقدم البري الذي نشهده في الجنوب سببه انشغال القوات الجوية الإسرائيلية بالكامل في إيران. ولذلك، حالما تبدأ الحرب في إيران بالانحسار، سنشهد تطوراً سريعاً على الجبهة اللبنانية، وقد نكون أمام سيناريو حربي غير مسبوق في تاريخ لبنان، بعد 59 عاماً من التدخلات والحروب والمشاريع الإسرائيلية التي فشلت في تحقيق الأمن على جبهتها الشمالية.
إعادة رسم النظام الدولي
لم يكن ترامب مضطراً إلى إطلاق حرب ضخمة في سنة انتخابات حساسة لو لم يعطه البنتاغون تأكيدات عالية جداً من فرص نجاحها وبفترة زمنية محدودة. فالولايات المتحدة لم تخسر في تاريخها أي حرب نتيجة هزيمة عسكرية، إذ إن نتائج حروب مثل فيتنام وأفغانستان والعراق حُسمت في النهاية بقرارات سياسية لا بإخفاقات عسكرية في ساحة المعركة. لذلك إن ما يحدث اليوم على الجبهة الإيرانية لا يهدف بالضرورة إلى إسقاط النظام بالكامل والمخاطرة بإغراق البلاد والمنطقة في الفوضى، بل إلى إعادة رسم الجمهورية الإسلامية بصورة جديدة، ضمن شروط تضمن استمرار الحكم بشكل مروض. ولكن إذا أصرّ ما تبقى من قادة النظام على رفض شروط ترامب، فقد نتجه نحو سيناريوهات أكثر عنفاً ودموية داخل إيران، بما في ذلك احتمال تنفيذ إنزالات برية أميركية على الجزر الإيرانية الاستراتيجية في الخليج العربي.
في النهاية، يعمل دونالد ترامب منذ عودته إلى السلطة على إزالة العقبات أمام مشروعه الاستراتيجي الأكبر، وإعادة رسم خريطة التحالفات الدولية، وتعديل النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية، والذي يرى أنه لم يعد يخدم المصالح الأميركية. وبحسب رؤية عدد من المحافظين في الولايات المتحدة، ومن بينهم ترامب، يتمثل الهدف المركزي لهذه السياسة في احتواء الصين باعتبارها القوة الوحيدة القادرة نظرياً في المستقبل على تهديد التفوق الأميركي. وفي هذا السياق، يمكن فهم التحركات الأميركية في فنزويلا وإيران ضمن مسعى أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة الدولية، فيما تسعى واشنطن أيضاً إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا وتخفيف التوتر مع روسيا وربما تفتح الباب أمام تقارب معها، تمهيداً للتفرغ لهذا التحدي الاستراتيجي.
باحث في الشؤون الجيوسياسية