الدكتور سايد حرقص

الوجه الآخر للحرب

4 دقائق للقراءة

إذا سألت مصريًا عن حرب 1973، سيسرد لك بفخر قصة الانتصار المجيد و بطولات حرب العبور. وإذا سألت فلسطينيًا، سيخبرك أنها الحرب التي أخرجت مصر من الحضن العربي وأضعفت إمكانية استعادة الأرض المحتلة. وإذا سألت سعوديًا، سيخبرك بفخر عن جرأة الملك فيصل في تحدي أميركا وقطع النفط عنها. لكن هذه التفسيرات، على أهميتها، تبقى أسيرة البعد العسكري والسياسي المباشر.

السؤال الأعمق هو: هل كانت تلك الحرب مجرد مواجهة عسكرية عربية–إسرائيلية، هدف العرب فيها استعادة الأرض المحتلة بعد نكسة 1967، وهدف إسرائيل خرق دول الطوق وإطلاق مشروع «الأرض مقابل السلام»؟ أم أنها، في الواقع، لحظة مفصلية خطيرة أعادت تشكيل النظام الاقتصادي العالمي؟


في 15 آب 1971، أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب، منهياً نظام بريتون وودز. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء نقدي، بل أزمة وجودية للنظام المالي الأميركي: كيف يمكن لعملة ورقية غير مغطاة بالذهب أن تحافظ على موقعها العالمي؟

جاءت حرب 1973 لتقدّم الإجابة العملية. فمع استخدام النفط كسلاح وارتفاع أسعاره، تم ربط تسعيره بالدولار، ما خلق طلبًا عالميًا قسريًا عليه. هكذا لم يعد الدولار يستند إلى الذهب، بل إلى الطاقة والتدفقات المالية المرتبطة بها، فتحول إلى عملة احتياط عالمية وملاذ آمن للمستثمرين.


إذا كانت حرب 1973 قد ساهمت في نقل الدولار من مظلة “غطاء الذهب” إلى مظلة “غطاء الطاقة”، فإن الصراع الحالي حول إيران يمكن قراءته كجزء من محاولة أميركية أعمق:الانتقال من نظام يرتكز على الدولار كعملة تجارة، إلى نظام يرتكز على الدولار كشرط بنيوي للسيادة الاقتصادية للدول.


التحليل التقليدي يرى أن الصراع مع إيران يدور حول النفط، الأمن الإقليمي، أو البرنامج النووي وحماية الكيان الاسرائيلي. لكن في العمق، يمكن رصد تحوّل نوعي في الاستراتيجية الأميركية:

- إعادة تعريف السيادة

لم تعد سيادة الدول تُقاس فقط بالقدرة العسكرية أو السياسية، بل بمدى قدرة الدولة على العمل خارج النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة. أي خروج عن هذا النظام يترجم فورًا إلى عزلة، عقوبات، أو انهيار مالي.


- تحويل الدولار من أداة تبادل إلى أداة ضبط

في سبعينيات القرن الماضي، كان الهدف خلق طلب على الدولار عبر النفط. اليوم، الهدف أعمق:جعل الوصول إلى الدولار شرطًا للاستقرار الاقتصادي نفسه، بحيث يصبح فقدانه تهديدًا وجوديًا لأي دولة.

- الهندسة غير المباشرة للسياسات الداخلية

نتيجة لهذا الترابط، تجد الدول نفسها مضطرة لتكييف سياساتها الاقتصادية، وأحيانًا السياسية، بما يتوافق مع متطلبات النظام المالي العالمي.

هنا لا يظهر التدخل الأميركي كفرض مباشر، بل كـ منظومة قيود تجعل الخيارات الأخرى مكلفة إلى حد الاستحالة.

إذا جمعنا هذه العناصر، يظهر احتمال أن الاستراتيجية الأميركية الحالية لا تهدف فقط إلى احتواء إيران، بل إلى منع تشكّل نظام مالي متعدد العملات،بمعنى آخر، قد لا تكون الحرب مجرد أداة جيوسياسية، بل أداة لإعادة إنتاج النظام العالمي نفسه بشكل أكثر تطورا ووضوحا.


إذا كانت حرب 1973 قد أسست لعالم يُقاس فيه النفط بالدولار، فإن الصراع على إيران قد يكون خطوة نحو عالم تُقاس فيه سيادة الدول بقدرتها على البقاء خارج النظام المالي الأميركي. هنا لا يعود الدولار مجرد عملة، بل يتحول إلى بنية تحتية للسلطة العالمية، وإلى ملاذ آمن لا يمكن الاستغناء عنه.

وفي هذا السياق، لا يصبح النفوذ الأميركي قائمًا على التدخل المباشر، بل على خلق نظام يجعل هذا التدخل غير ضروري أصلًا، لأن الدول نفسها تعيد تشكيل سياساتها لتبقى ضمنه.وهنا يظهر الوجه الآخر للحرب:ليست معركة على الجغرافيا، بل على تعريف السيادة، وعلى من يملك حق تحديد قواعد البقاء في النظام العالمي.