لم يعد ما يجري في مضيق هرمز مجرد عملية لحماية الملاحة، بل أصبح أقرب إلى عملية جراحية لتغيير قواعد اللعبة بالكامل. فالمؤشرات تتكاثر، والتسريبات تتقاطع، والتصريحات تتكشف تباعاً، وواشنطن لا تتحرك لتأمين ناقلات النفط فقط، بل لتجريد إيران من أخطر أوراقها.. ورقة خنق العالم.
فمدير وكالة الاستخبارات المركزية، مايك ستون، وضع العنوان بوضوح: خفض المخاطر الاستراتيجية في مضيق هرمز على المدى الطويل. لكن الترجمة الميدانية لهذا الكلام أكثر قسوة بكثير، وهي حرمان طهران من القدرة على زرع الألغام، وشلّ هجماتها الصاروخية، وتفكيك أدواتها غير المتكافئة.
أما في الميدان، فالتحرك ليس نظرياً، فالسفينة الهجومية USS Tripoli شقت طريقها نحو المنطقة، وعلى متنها 2200 عنصر من مشاة البحرية. وهذه ليست قوة استعراض، بل مطرقة جاهزة للضرب.
هذه السفينة قادرة على تنفيذ إنزال جوي مباغت، والقيام بعمليات بحرية خاطفة، والسيطرة التكتيكية على نقاط أمنية حساسة خلال ساعات، والأخطر أن الخطط، بحسب التسريبات، لم تعد محصورة بحماية السفن، بل تتحدث عن ضربات مباشرة داخل الجغرافيا الإيرانية.
وبالتوازي، تعتمد واشنطن على مقاتلات مثل F-35B Lightning II القادرة على الإقلاع العمودي، ما يمنحها ميزة العمل من منصات قريبة جداً من ساحة العمليات، مع دعم من مروحيات هجومية وعمليات إنزال دقيقة، سريعة وصامتة. والهدف النهائي يتجاوز المعركة نفسها، وهو تفكيك قدرة إيران على تهديد شريان الطاقة العالمي.
وهنا نصل إلى جوهر التحول: مضيق هرمز، الذي كان لعقود ورقة ابتزاز جيوسياسي بيد طهران، قد يتحول لأول مرة إلى ممر دولي محصّن خارج حساباتها. ونجاح هذه الاستراتيجية لا يعني فقط حماية الملاحة، بل يعني إعادة رسم ميزان القوة في الخليج، وسحب آخر ورقة ردع استراتيجية من يد إيران.
وكان الرئيس ترامب قد طالب الدول بالمساعدة في حماية وفتح المضيق، محذراً من أن حلف الناتو قد يواجه مستقبلاً سيئاً للغاية إذا لم يساعد حلفاء الولايات المتحدة في فتح مضيق هرمز وحمايته. وقد وافقت حوالي 22 دولة، بينما رفضت بعض الدول من إرسال سفنها وجيوشها وتلبية طلب ترامب خاصة أن مضيق هرمز بالإضافة الى انه ممر رئيسي للنفط الخام 35% والديزل 10% والغاز المسال 30% والوقود المكرر 20% وشريان تجارة الأسمدة العالمية المنقولة بحرا مثل الكبريت 55% والوريا 30% والأمونيا 25% بالإضافة الى حاويات الملابس والكترونيات والمواد الخام والمواد الغذائية والصناعية ومع أنه الشريان الأساسي للإقتصاد العالمي هو ايضا عنق زجاجة للإنترنت العالمي، إذ يهدد ازدحام السفن كابلات الإنترنت البحرية مثل: كابل فالكون، وكابل جي بي أي، وكابل إي أي جي، وكابل تو افريقا، هذه الكابلات تمر عبره بين الخليج العربي وأوروبا وآسيا. والخطر الأكبر لا يأتي فقط من الهجمات المتعمدة، بل من الحوادث العرضية، مثل أخطاء رمي المراسي أو الحوادث البحرية ومع وجود أكثر من 2500 سفينة في المضيق، وحوالي 250 منها غير متتبعة، فإن أي زيادة في الازدحام تعني خطراً أكبر على العمود الفقري الرقمي للعالم. وأي ضرر في هذه الكابلات قد يؤدي إلى انقطاع الإنترنت وخدمات أساسية، مع تأثيرات واسعة على الاقتصاد العالمي، خاصة مع الطلب المتزايد على الإنترنت في الشرق الأوسط. ورغم المحاولات لإنشاء مسارات بديلة، فإن إصلاح الكابلات معقد ويتطلب سفناً متخصصة، خصوصاً في مناطق النزاع. ما يعني أن الإنترنت في خطر، وأن مضيق هرمز ليس مجرد طريق للنفط، بل شريان رقمي عالمي.
مع ان قبل اندلاع الحرب، اعتمد الرئيس دونالد ترامب تقديراته على احتمالات محددة حول تصرف إيران حيال إغلاق مضيق هرمز. وكشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن ترامب كان على علم مسبق بإمكانية لجوء طهران إلى هذه الخطوة، إلا أن مستشاريه شككوا في تنفيذها فعلياً. كما حذّرت التقديرات داخل المؤسسة العسكرية، بقيادة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين، من أن إيران قد تستخدم الألغام البحرية والطائرات المسيّرة والصواريخ لتعطيل الملاحة في المضيق. ورغم ذلك، بدا ترامب أكثر ميلاً للاعتماد على تحليلات خبرائه، التي أشارت إلى أن إيران لن تتمكن من إبقاء المضيق مغلقاً لفترة طويلة، لأسباب اقتصادية وعسكرية واضحة.
فالخسائر اليومية المحتملة لإيران من صادرات النفط قد تتراوح بين 700 و900 مليون دولار، إضافة إلى تراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم ونقص الواردات الغذائية، ما يضع الاقتصاد تحت ضغط متزايد كما أن إيران تعتمد على الوقود المستورد منذ عقود بسبب ضعف كفاءة منشآتها النفطية، ما يعني أن استمرار الإغلاق سيؤدي إلى نفاد الوقود لمركبات الحرس الثوري وزوارقه السريعة، وبالتالي تقييد قدراتها العملياتية.
وبالإضافة إلى ذلك، يشير الخبراء إلى محدودية المخزون العسكري الإيراني من الصواريخ والطائرات المسيّرة والوقود، ما يجعل قدرتها على تعطيل الملاحة لفترة طويلة محدودة، خاصة في ظل الهجمات الأميركية المستمرة على جزرها الاستراتيجية، وعلى رأسها جزيرة خرج التي تصدر منها نحو 90% من النفط الإيراني.
أما على الصعيد الدولي، فإن تداعيات الأزمة تتجاوز حدود إيران، فالصين، أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد على مضيق هرمز لتأمين نحو نصف وارداتها من النفط والغاز المسال، ما يزيد من احتمالية تصعيد الضغوط الدبلوماسية على طهران لضمان إبقاء المضيق مفتوحاً. وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن إيران تواجه قيوداً اقتصادية واستراتيجية تجعل استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة شبه مستحيل ولكن، لماذا تجد الولايات المتحدة صعوبة في حماية وفتح مضيق هرمز رغم تهديدات الوزيرعراقجي وتصريحاته بأن المضيق قد يُغلق حتى 100 يوم داعيا ترامب الى إرسال جنوده لفتحه.
للوهلة الأولى، يبدو الجواب بسيطاً، فالبحرية الأميركية تمتلك واحداً من أقوى الأساطيل في العالم. لكن الجغرافيا في هذا الممر المائي الضيق تغيّر المعادلة. إذ يبلغ عرض مضيق هرمز عند أضيق نقطة حوالي 21 ميلاً، مع مسارين للشحن يبلغ عرض كل منهما نحو ميلين فقط ورغم ذلك، ويمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، ما يعني أن أي اضطراب بسيط قد يؤدي إلى عواقب اقتصادية كبيرة على مستوى العالم.
ولقد أمضت إيران عقوداً في التحضير لهذا السيناريو، وبدلاً من الاعتماد على السفن الحربية الكبيرة، بنت استراتيجية حرب غير متكافئة تقوم على الزوارق السريعة، والصواريخ المضادة للسفن، والألغام البحرية، والطائرات المسيّرة المسلحة.
كما تشير تقارير الاستخبارات إلى أن إيران تمتلك آلاف الألغام البحرية، وعشرات بطاريات الصواريخ المتنقلة المتمركزة على طول الساحل والجزر القريبة وخلال فترات التوتر، أجرت القوات الإيرانية تدريبات على أسلوب “الأسراب”، حيث تطلق عشرات الزوارق الصغيرة في وقت واحد. وفي الوقت نفسه، يمكن لأنظمة الصواريخ الساحلية استهداف السفن المارة عبر مسارات الشحن الضيقة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فالتحدي لا يكمن في القوة، بل في الحجم والقرب. فالسفن الحربية يمكنها الدوران داخل المضيق، لكنها لا تستطيع أن تكون في كل مكان في الوقت نفسه فإزالة الألغام، واعتراض الصواريخ، ومراقبة مئات الزوارق السريعة في آنٍ واحد، مهمة معقدة حتى بالنسبة لبحرية حديثة في العالم.
وهنا يبرز واقع استراتيجي واضح، السيطرة على المياه لا تعني السيطرة على التهديد، وهذا ما قد يشكل المرحلة التالية لأي صراع مستقبلي محتمل في المنطقة.