"الدولة لم تكن موجودة..."
بهذه العبارة، يبرر الشيخ علي الخطيب خلال تعليقين له مختلفين خلال أسبوع، واحدة من أكثر السرديات رسوخًا في الخطاب السياسي اللبناني. سردية تبدو، للوهلة الأولى، تفسيرًا لمرحلة تاريخية، لكنها في الواقع تؤدي وظيفة مختلفة: تبرير واقع قائم، وإعادة إنتاجه.
المشكلة في هذا الطرح لا تكمن فقط في قراءته للماضي، بل في بنيته المنطقية. فهو يفترض أن غياب الدولة هو السبب الذي أدى إلى نشوء السلاح خارجها، بينما يتجاهل أن استمرار هذا السلاح هو أحد الأسباب الرئيسية التي تمنع قيام الدولة.
لفهم هذه الإشكالية، لا بد من العودة إلى تجربة تاريخية مفصلية: مسار السلام الذي انطلق في مؤتمر مدريد 1991. في تلك المرحلة، لم يُتعامل مع لبنان كدولة تفاوض باسم مصالحها، بل كـ "ورقة" ضمن إدارة النظام السوري للملف الإقليمي. جرى ربط المسار اللبناني بالمسار السوري تحت عنوان "وحدة المسارين"، ما أدى عمليًا إلى إخضاع القرار اللبناني لمنطق تفاوضيّ خارجي.
هذا النموذج لا يخص الماضي فقط. ما تغيّر لاحقًا لم يكن منطق "الورقة"، بل الجهة التي تديرها. اليوم، يُعاد إدراج لبنان ضمن مشروع إقليمي تقوده إيران، حيث يُستخدم كجزء من شبكة نزاعات أوسع، ويُدار ضمن حسابات تتجاوز حدوده. الاستمرارية هنا ليست سياسية بين مرحلتين، بل وظيفية في كيفية التعامل مع لبنان.
في هذا السياق، تكتسب سردية "غياب الدولة" وظيفة جديدة. لم تعد تفسيرًا تاريخيًا، بل أصبحت أداة سياسية. الدولة اللبنانية لم تكن غائبة بالمعنى المطلق، بل كانت موجودة بمؤسساتها، لكنها كانت مقيّدة ومخترقة، ثم جرى إضعافها تدريجيًا. الفارق أساسي: ما حصل لم يكن فراغًا، بل تقويضًا.
لكن الأخطر أن هذه السردية لم تبقَ في إطار التفسير، بل تحوّلت إلى آلية إنتاج. فبدل أن تقود إلى استعادة الدولة، استُخدمت لتبرير استمرار واقع يمنع قيامها. وهكذا، لم يعد الحديث عن "غياب الدولة في الجنوب"، بل عن تعميم غياب الدولة على كامل لبنان.
ولا يمكن فصل هذه السردية عن البيئة التي ترافقها. فهي لا تُقدَّم كطرح تحليلي بارد، بل تُغذى بخطاب تعبوي يتضمّن قدرًا عاليًا من العنف الرمزي واللغة الطائفية، ما يساهم في شدّ العصبيات وإغلاق أي نقاش سياسي عقلاني. في هذا السياق، لا تعود السردية مجرد تفسير أو تبرير، بل تتحوّل إلى أداة تعبئة تُستخدم لتثبيت واقع قائم، وصولًا إلى حد تبرير إدراج لبنان ضمن مشروع الجمهورية الإسلامية، والتعامل معه كأمر واقع لا يُناقش.
هنا يطرح السؤال: هل يُعالج غياب الدولة عبر استبدالها بنموذج موازٍ لها؟ أم أن ذلك يُحوّل هذا الغياب إلى بنية دائمة؟
السؤال هنا ليس عقائديًا، بل سياسي - مؤسساتي. ما يظهر في الممارسة يتجاوز فكرة "الدفاع الذاتي"، ليأخذ شكل نظام موازٍ: تعددية في القرار، ازدواجية في السلاح، وربط داخلي بمنظومة إقليمية عابرة للدولة. هذا النموذج لا يسدّ فراغ الدولة، بل يكرّسه، لأنه ينقل مركز القرار خارج مؤسساتها.
هكذا تتشكل الحلقة البنيوية للأزمة:
تبرير نشأة السلاح بضعف الدولة، ثم تحوّل إلى عامل يمنع إعادة قيامها.
في هذا الإطار، لا يعود تصريح علي الخطيب مجرد موقف سياسي، بل هو تعبير عن منطق متكامل: تبرير الغياب لإدامته. الدعوة إلى دولة "عادلة حامية" تترافق مع تثبيت الشروط التي تجعل هذه الدولة غير ممكنة.
لبنان اليوم لا يواجه أزمة سياسات، بل أزمة تعريف.
إما دولة تحتكر القرار، أو ساحة تُدار من الخارج. ولا يمكن الجمع بين الاثنين.
لبنان لم يعد يحتمل أن يُدار كأداة، ولم يعد يحتمل أن تُستخدم فكرة "غياب الدولة" لتبرير استمرار هذا الواقع، لأن النتيجة لم تعد ضعف دولة، بل تهديد وجودها نفسه.