العميد المتقاعد جوني خلف

لبنان يُختطف والدولة تدار بحكم المستشارين حتى الانهيار

4 دقائق للقراءة

ما يجري اليوم في لبنان ليس حربًا عادية، ولا أزمة عابرة. ما نعيشه هو أخطر من كل الحروب التي مرّت على هذا البلد، لأن ما يُرسم لا يشبه لبنان الذي نعرفه، بل يُعيد تشكيله في الظل، بعيدًا من أعين شعبه، وبموافقة سلطة اختارت الصمت بدل المواجهة. الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها، لبنان يُختطف. يُدفع إلى صراعات لا قدرة له على تحمّلها، ويُزجّ في محاور لا تشبهه، فيما القرار الوطني لم يعد بيد الدولة، بل بيد قوى تفرض واقعها بقوة السلاح، وسط عجز رسمي مريب. لكن الأخطر من السلاح غير الشرعي، هو السلطة التي قررت أن تتعايش معه، أن تسايره، وأن تُدير البلد بمنطق التسويات بدل الدستور. هنا، لا بد من التسمية الواضحة:

رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، يتحمّلون بشكل مباشر ما وصل إليه لبنان. ليس بصفتهم شهودًا، بل بصفتهم شركاء في هذا الانهيار، من خلال صمتهم، وعجزهم، وامتناعهم عن تطبيق الدستور وفرض سلطة الدولة.

فخامة رئيس الجمهورية، اللبنانيون لا يريدون صمتًا بعد اليوم. منذ اندلاع هذه الأحداث، لم يسمع الشعب كلمة واحدة تشرح له ماذا يجري، ما هي الأخطار، وما هو مصير البلد. الناس تُترك فريسة للإشاعات والخوف، فيما موقع الرئاسة غائب عن دوره الأساسي.

أين رئيس الجمهورية؟ أين القائد الذي يفترض أن يُخاطب شعبه في لحظة مصيرية؟ الصمت هنا لم يعد تقصيرًا، بل أصبح تخلّيًا واضحًا عن المسؤولية. من حق اللبنانيين أن يعرفوا الحقيقة، لا أن يُتركوا في الظلام.

وهنا أتكلم بوضوح كمواطن لبناني يرى وطنه يُسحب من تحت أقدام أبنائه. كمواطن يخاف على بلده، ويسأل كما يسأل كل لبناني، إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن يتحمّل مسؤولية ما يجري؟

في هذا السياق، لا يمكن فصل كلام فخامة الرئيس جوزاف عون عن الدفاع عن الجيش اللبناني، عن الواقع الذي أوصل هذا الجيش إلى ما هو عليه اليوم. فالدفاع عن الجيش لا يكون بالشعارات، بل بتسمية المسؤول الحقيقي عمّا جرى. ليس الشعب من أضعف الجيش، وليس من ينتقد هو من أساء إليه.

الذي أضعف الجيش هو السلطة السياسية نفسها، التي على مدى عقود أهملت تمويله، وتركته رهينة التسويات، وهدرت المال العام، وأغرقت البلاد في الانهيار، حتى بات العسكري يواجه الفقر والإهانة، ورواتبه تتبخر مع الأزمة التي صنعتها هذه السلطة بيدها.

أيّ منطق هذا الذي يطلب من الناس أن تبرّر؟

وأيّ عدالة هذه التي تُحاسب من ينتقد، وتُعفي من حكمَ ونهبَ وأفشلَ؟

الجيش لم يُضرب من الخارج… بل ضُرب من الداخل، من سياسات لم تحمه، ولم تمنحه القرار، ولم تؤمّن له الحد الأدنى من مقومات الصمود. لذلك، كفى تحميل الناس مسؤولية ما لم يرتكبوه. المسؤول واضح: سلطة فاسدة، سياسات مدمّرة، وطبقة حكم أوصلت البلد والجيش معًا إلى حافة الانهيار.

أما رئيس الحكومة، فحدث ولا حرج فلا يمكنه الاستمرار في إدارة الفراغ وكأن شيئًا لا يحدث. دوره ليس تسيير أعمال الانهيار، بل قيادة السلطة التنفيذية ومواجهة الخطر. كل يوم صمت هو يوم إضافي في مسار سقوط الدولة.

وأما رئيس مجلس النواب، الذي يمسك بالحياة السياسية منذ عقود، فلا يمكنه التهرّب من مسؤولية تكريس هذا الواقع، حيث تُعطَّل الدولة عند أي خلاف، وتُمرَّر التسويات عند أي توافق. هذا ليس حكمًا، بل إدارة أزمة دائمة على حساب الوطن.

لكن الفضيحة الأكبر، أن الدولة لم تعد تُدار عبر مؤسساتها، بل عبر مستشارين وموفدين. رئيس يرسل موفدًا، وآخر ينتظر جوابًا، وثالث يربط مصير البلد بمزاج سياسي. إذا غضب طرف، يتوقف البلد. وإذا رضي، تُمرَّر التسوية.

هل هكذا تُدار الدول؟ هل هكذا يُحكم وطن؟

ما يجري هو إهانة صريحة لفكرة الدولة. لم يعد هناك مؤسسات، بل شبكة وساطات. لم يعد هناك دستور، بل صفقات. لم يعد هناك قرار وطني، بل تدوير زوايا على حساب البلد كله.

وهنا، لا بد من التذكير بما يحاولون تجاهله، الشعب اللبناني هو مصدر السلطات. وهذه ليست جملة في كتاب، بل حق فعلي بالمحاسبة. من حق اللبنانيين أن يسألوا، أن يحاسبوا، وأن يرفضوا هذا الانحدار. من حقهم أن يعرفوا لماذا يُدار وطنهم في الغرف المغلقة، ولماذا يُتركون خارج القرار. لبنان اليوم على حافة مرحلة لا تشبه أي مرحلة سابقة. لسنا أمام تكرارٍ لحرب، بل أمام خطر وجودي يُهدد الكيان نفسه. وإذا استمر هذا النهج نهج التسويات، الصمت، وتدوير الزوايا فلن يبقى ما يمكن إنقاذه. هذه ليست مبالغة. هذه حقيقة.

لبنان لا يُبنى بالمسايرات، ولا يُحمى بالصمت، ولا يُدار بالموفدين. لبنان يحتاج إلى قرار. إلى مواجهة. إلى دولة فعلية، لا إلى سلطة تُدير الانهيار. وإن لم يتحمّل المسؤولون مسؤولياتهم اليوم، فالتاريخ لن يرحم، والشعب لن يسكت، والوطن… قد لا يبقى وطنًا.