الدكتور سايد حرقص

بين شعر عنترة بن شداد والدعاية الإسرائيلية

3 دقائق للقراءة

في التراث العربي، يشكّل شعر عنترة بن شداد نموذجًا فريدًا في بناء البطولة. فالفارس الشاعر لم يكن يُصوّر خصومه كضعفاء، بل كان يرفعهم إلى مصافّ الأبطال الصناديد، ليجعل من انتصاره عليهم فعلًا استثنائيًا. وفي مواضع أخرى من شعره، يبرز اعترافٌ ضمنيٌّ بقوة الخصم وشدة بأسه، إذ لا معنى للبطولة أو لقوة الفارس إن لم تُختبر أمام ندٍّ حقيقيٍّ مميّز. هذه ليست مجرد مبالغة شعرية، بل استراتيجية واعية: تعظيم العدو شرطٌ لتعظيم الذات.

هذا المنطق، انتقل من ساحة الشعر إلى ميادين الإعلام والدعاية السياسية والعسكرية. ففي الخطاب الإسرائيلي العسكري والسياسي، يظهر نمط دعائي حديث مشابه عند تناول خصوم الكيان الإسرائيلي، مثل ميليشيا حزب الله، حيث تُقدِّم الدعاية الصهيونية حزب الله بوصفه قوة عسكرية عالية التنظيم، ذات قدرات متطورة، وخطر استراتيجي كبير.

لفهم هذا الأسلوب، يمكن الاستعانة بنظريات حديثة في الدعاية والإعلام، أبرزها نظرية التأطير (Framing). تقوم هذه النظرية، التي ظهرت في بداية السبعينيات من القرن الماضي، على أن الطريقة التي يُقدَّم بها الحدث لا تقل أهمية عن الحدث نفسه. فعندما يتم “تأطير” الخصم كقوة هائلة، فإن أي عمل عسكري ضده يبدو وكأنه ضرورة دفاعية، حتى لو كانت نتائجه كارثية ومدمّرة.

كما تتقاطع هذه المقاربة مع ما تشرحه نظريات الدعاية الكلاسيكية، مثل أعمال إدوارد برنيز، التي تُظهر كيف يمكن تشكيل الرأي العام عبر خلق سردية متماسكة تقوم على تضخيم التهديد. فالجمهور لا يتفاعل فقط مع الوقائع، بل مع الصورة الذهنية التي تُبنى حول هذه الوقائع.

وهنا تتضح المفارقة العميقة: عند عنترة بن شداد، كان تمجيد الخصم فعلًا جماليًا يخدم بناء أسطورة فردية؛ أما في الخطاب السياسي الحديث، فإن تمجيد الخصم قد يتحول إلى أداة لتبرير استخدام القوة المفرطة، وارتكاب أفعال مدمّرة بحجة مكافحة الإرهاب، علمًا أن الخصم نفسه قد يشارك، بشكل غير مباشر، في تضخيم هذه الصورة، لأنها تمنحه معنويات وهمية وصورة خرافية أمام جمهوره.

الأخطر في هذا النمط أنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يعيد تشكيله. فعندما يُقدَّم الصراع على أنه مواجهة مع “خطر وجودي”، يصبح تدمير القرى، واستهداف البنى التحتية، وارتفاع الكلفة الإنسانية، وتهجير آلاف الناس، كلها نتائج يمكن تبريرها ضمن هذا الإطار.

بهذا المعنى، لا تختلف الدعاية الحديثة كثيرًا عن الشعر القديم في أدواتها البلاغية، لكنها تختلف جذريًا في آثارها. فبينما كان شعر عنترة بن شداد يُنتج معنى رمزيًا لخلق صورة بطل أسطوري، فإن الدعاية السياسية تُنتج واقعًا مؤلمًا ومدمّرًا، تمتدّ نتائجه السلبية لسنوات طويلة.

في الخلاصة، تكشف هذه المقارنة أن تضخيم صورة الخصم ليس فعلًا بريئًا ولا توصيفًا موضوعيًا بالضرورة، بل هو أداة سلطوية تُستخدم لإعادة إنتاج الخوف وتضخيم الإحساس بالخطر في وعي الناس. وبهذا التمهيد النفسي، يصبح من السهل تبرير استخدام أقسى الأساليب وحشية تحت شعار إنقاذ "الخير" من "الشر"، فيما تختبئ وراء هذا الخطاب مصالح سياسية وعسكرية تُنفَّذ بوسائل ما كانت لتُقبل في ظروف طبيعية.