في تموز 2025، كتبت مقالًا في "نداء الوطن" فحواه أن الولايات المتحدة لا تحسم، وأن إيران لا تنهار، وأن لبنان يريد الدولة ولا يريدها. اليوم، لم تعد هذه ملاحظات عابرة، بل قواعد اشتباك غير مكتوبة تحكم الإقليم.
ما يُقدَّم على أنه "هدنة" لفتح مضيق هرمز ليس سوى إدارة مؤقتة للتوتر. وما يُسمّى "اتفاقًا" ليس إلا إعادة توزيع للأدوار داخل الصراع نفسه. الفصل بين الجبهات ضرورة وجودية لأن توحيدها يعني نهاية، والنهايات ليست مطلوبة. المطلوب هو إبقاء النار مشتعلة تحت السيطرة: لا تنطفئ فتضيع أوراق الضغط، ولا تشتعل فتخرج عن القبضة.
إدارة ترامب لا تفشل في الحسم، بل تتجنّبه عمدًا. الحسم يُنهي الحاجة إليها، بينما اللاحسم يُبقيها حكمًا فوق النزاع. إنّها لا تقود إلى خاتمة، بل تُدير مسارًا مفتوحًا، حيث الجميع يحتاج إليها كي لا ينهار التوازن الذي تديره.
إيران، في المقابل، نموذج إستثنائي.
ليست دولة قابلة للانهيار وفق المعايير التقليدية. هي ليست مشروع استقرار، بل مشروع نفوذ. تعيش على التوتر وتستثمر في الفوضى، وتُتقن العمل داخل الانقسام لا خارجه. لذلك، فإن سؤال "متى تسقط؟" سؤال ساذج؛ لأنها ببساطة لا تلعب لعبة السقوط أصلاً. بقاؤها مشروط ببقاء الاضطراب، وهي تعرف كيف تُبقيه.
أما إسرائيل، فهي تمارس أقصى القوة دون أن تذهب إلى النهاية. تضرب، تردع، تعيد رسم الخطوط، لكنها تتوقف قبل الحسم. لأن الحسم يفرض واقعًا جديدًا، ربّما، وفي الوقت الراهن، لا يمكن التحكم به.
وسط هذا كله، تقف الدّولة الحالية كحالة فاضحة للخلل البنيوي. ليس ضحية فقط، بل شريك من خلال رماديّة التّطبيق في إنتاج أزمته. يريد الدولة كشعار، كقسم، كبيان وزاري، ويرفضها كقرار.
في لبنان، الوقت ليس عنصرًا بريئًا. كل يوم تأجيل هو مكسب للفريق الأكثر تنظيمًا وقدرة على استثمار الفراغ، وعلى رأسه حزب الله. الدولة تتآكل، بينما البنى الموازية تتماسك. ومع كل جولة إقليمية، يُعاد إدخال لبنان في اللعبة نفسها، من دون أن يملك ترف الخروج.
الحديث عن "انتصار" أو "خسارة" في هذا السياق مضلل. لا أحد ينتصر، لأن النصر يعني نهاية الجولة. ولا أحد يُهزم، لأن الهزيمة تُخرجه من المعادلة. ما يجري هو شيء آخر: نظام كامل قائم على منع الحسم.
هنا، لا تعود السياسة خطًا يتقدم، بل دائرة تُعيد إنتاج نفسها. ما يُؤجَّل يعود، وما يُقمع ينفجر لاحقًا.
لبنان، في قلب هذه الدائرة، لا يملك ترف الاستمرار في التردد. إما أن يُسمّي الأشياء بأسمائها ويتخذ قرارًا جذريًا في شكل نظامه السياسي، أو يبقى ساحةً تُدار لا دولةً تقرر.
أما البقاء داخلها، و القبول بحقيقة وحدة :
"إذا الأرض مدوّرة يا حبيبي رح نرجع نتلاقى يا حبيبي…"
و فمن هو المنتصِر فعليّاً؟
هو الذّي سيجرؤ على الخروج من هذه الدائرة.