إيليو معلوف

حتى الفيدرالية أصبحت تنازلاً!

5 دقائق للقراءة

في لحظة تاريخية كان يُفترض أن ينشغل فيها لبنان بإعادة بناء اقتصاده المنهار، واستعادة مؤسساته، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار لشعبه، يجد نفسه مجدداً مُقحماً في حروب لم يخترها. حروب فُرضت عليه بقرار أحادي، خارج إطار الدولة، وخارج أي منطق سيادي. كل هذا ليس إلا تجسيداً صارخاً لحقيقة طالما حاول البعض تجاهلها: لبنان ليس دولة مكتملة السيادة.

في الأدبيات السياسية، يُجمع منظّرو الدولة الحديثة على أن احتكار العنف الشرعي هو الركيزة الأساسية لقيام أي دولة. وكما يوضح عالم الاجتماع ماكس فيبر، فإن “الدولة هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة ضمن حدود معينة”. في الحالة اللبنانية، يسقط هذا التعريف بالكامل. فالسلاح ليس بيد الدولة وحدها، بل بيد جهة تملك قرار الحرب والسلم، وتربط خياراتها الاستراتيجية بعقيدة عابرة للحدود.

هنا، يصبح النقاش حول شكل النظام السياسي بحثاً عن الحد الأدنى الممكن لبقاء الكيان. لبنان، بوصفه مجتمعاً متعدد الثقافات والهويات، لا يمكن نظرياً أن يُدار بنظام مركزي. وهذا ما تؤكده أدبيات الفيدرالية، من مونتسكيو إلى المعاصرين، حيث تُطرح الفيدرالية كآلية لإدارة التنوع.

لكن في لبنان، حتى هذا الطرح أصبح تنازلاً من قبل كل سيادي متمسك بخيار العيش والحياة. لماذا؟

الفيدرالية، في جوهرها، تفترض وجود دولة واحدة، بسيادة واحدة، وسلاح واحد. هي توزيع للسلطة، لا توزيع للسيادة. لكن كيف يمكن الحديث عن فيدرالية في ظل واقع تُختطف فيه السيادة نفسها؟ كيف يمكن بناء نظام متوازن، في ظل وجود قوة عسكرية مُرتهَنة داخل هذه الدولة، تفرض إيقاعها على الداخل، وتُقحم البلد في حروب إقليمية خدمةً لأجندات خارجية؟

ما نشهده اليوم هو انهيار كامل لفكرة الدولة. فحزب الله يتصرف كامتداد استراتيجي لمشروع إقليمي. وهذا ليس تحليلاً سياسياً بل تتطابُق مع الخطاب العقائدي المعلن للحزب، الذي يربط قراره السياسي والعسكري بمفهوم ولاية الفقيه.

بمعنى آخر، نحن أمام كيان داخل الكيان، يملك السلاح والقرار والعقيدة العابرة للحدود. وهذا الواقع يجعل أي حديث عن إصلاح سياسي، سواء عبر اللامركزية أو الفيدرالية، فاقداً للجدوى، لأنه يتجاهل المشكلة الأساسية: وجود دولة داخل الدولة تأكل الدولة وتصادر قراراتها.

والأخطر أن هذا الواقع يُترجم عملياً على حساب الشعب اللبناني. في كل مواجهة، يتحوّل لبنان إلى ساحة، ويتحوّل اللبنانيون إلى ضحايا. لا يُستشارون، لا يُحمَون، بل يُستخدمون كدروع بشرية في صراعات لا تعكس مصالحهم الوطنية.

في العلوم السياسية، تُصنَّف هذه الحالات ضمن ما يُعرف بـ“الدول الفاشلة جزئيًا”، أي Partial Failed State، حيث تفقد السلطة المركزية قدرتها على التحكم بقرارها السيادي. لكن الحالة اللبنانية أكثر تعقيداً: نحن أمام دولة عميقة مُخترَقة بنيوياً، حيث تعمل مؤسساتها الرسمية تحت سقف ترسمه قوة موازية.

من هنا، يصبح الإصرار على الإبقاء على الصيغة الحالية انتحاراً جماعياً. فالنظام المركزي لم يفشل فقط في إدارة التعددية، بل أصبح غطاءً لهيمنة السلاح غير الشرعي. والفيدرالية، التي تُطرح كحل، تصطدم بجدار هذا السلاح نفسه.

إذًا، ماذا تبقّى؟

عندما تُغلق كل مسارات الحلول التقليدية، تظهر الطروحات التي كانت تُعتبر من المحظورات. التقسيم، الذي يُطرح اليوم كخيار واقعي في مواجهة الانتحار الجماعي.

نحن أمام انقسام فعلي: جزء من اللبنانيين مرتبط بمشروع إقليمي عقائدي، مستعد لدفع أثمان بشرية واقتصادية في سبيله، وجزء آخر يريد دولة طبيعية: دولة تعيش لا تموت، تُنتج لا تُستنزف، تنفتح على العالم لا تنغلق على نفسها.

هذا التناقض لم يعد قابلًا للإدارة ضمن صيغة واحدة مفروضة بالقوة.

إن مواجهة هذا الواقع تتطلب جرأة فكرية وسياسية تتجاوز الخطاب التقليدي. لا يكفي الحديث عن “حوار” أو “تفاهم” أو “عيش مشترك”. عيش مشترك مع من؟ مع الحرس الثوري الإيراني؟ الذي يثور عليه أبناء بيئته من الإيرانيين الأحرار في إيران نفسها؟

لبنان اليوم يقف على حافة انهيار نهائي لفكرة الدولة نفسها. لم تعد المسألة إصلاح نظام، بل تحديد ما إذا كان هذا الكيان قابلًا للحياة أصلًا.

في ظل سلاح يفرض الحروب، وعقيدة تربط مصير البلد بمشروع خارجي، يصبح التمسك بالشكل الحالي للدولة وهماً جماعياً. بل أكثر من ذلك، يصبح مشاركة في تدمير ما تبقّى.

التاريخ لا يرحم الكيانات العاجزة عن حسم تناقضاتها. فإمّا أن يُعاد تأسيس لبنان كدولة فعلية مكتملة السيادة، بقرار وطني حاسم لا لبس فيه، ويبدأ الجيش بتنفيذ قرار الحكومة بنزع سلاح حزب الله وكل البُنى العسكرية والأمنية الخارجة عن سلطة الدولة، ضمن نظام فيدرالي اتحادي صارم يُنظّم التعددية ويضبطها في إطار مؤسسات قوية وفاعلة، وإمّا أن يستمر ككيان هشّ مستباح، تُديره قوى الخارج وتنهشه صراعات الداخل. وعندها، لن يبقى التقسيم مجرّد احتمال، بل سيتحوّل إلى الخيار الوحيد والأخير، فاصلاً بين دولةٍ تسعى إلى السيادة ودولةٍ غارقة في الارتهان.