يحلو للبنانيين تحميل «بوسطة عين الرمانة» كلَّ مآسيهم ومصائبهم، وحربهم وحروب الآخرين على أرضهم حتى الساعة، متناسين أن أخطاءهم وخطاياهم وصراعاتهم وضعف انتمائهم الوطني هي ما يجرُّ عليهم المصائب؛ ولولا الظروف والعناية الإلهية لكان وضعهم أسوأ بكثير..
منتصف الاسبوع الماضي، عند إعلان وقفٍ مؤقّتٍ لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين، ساد اعتقادٌ داخل قيادة حزب الله بأن هذا التفاهم يشمل لبنان أيضاً، استناداً إلى تغريدةٍ لرئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أشار فيها إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، بما في ذلك الساحة اللبنانية. هذا الفهم فتح الباب أمام حساباتٍ داخليةٍ خطيرة.
بناءً على ذلك، برز توجّهٌ داخل حزب الله وجماعة الممانعة الملحقة به نحو محاولة استعادة الهيبة المفقودة وتعزيز النفوذ، عبر خطواتٍ عسكريةٍ ذات طابعٍ انقلابي، تعيد رسم موازين القوى في الداخل اللبناني، وتكرّس ربط البلاد أكثر بالمحور الإيراني، مما يجعل لبنان ورقةً رابحةً في يد إيران خلال المفاوضات.
بدأت الاتصالات مع الحلفاء، وعقدت القيادات الميدانية اجتماعاتٍ عبر تطبيق "زوم"، في مشهدٍ يوحي بأن البلاد تقف على أعتاب تحوّلٍ جذري، بدأ بتغريدةٍ صباحيةٍ لأحد الطامحين لكرسي الرئاسة.
في المقابل، كان الجانب الإسرائيلي يعيش حالةً من الغضب والإحباط نتيجة قرار الإدارة الأميركية وقف التصعيد من دون تنسيقٍ مسبقٍ معه، ما فرض عليه كبح عملياته العسكرية رغم إرادته ومصالحه. وفي خضم هذا التوتر، رصدت أجهزة المراقبة الصهيونية نشاطاً رقمياً على تطبيق "زوم" مرتبطاً بقياداتٍ ميدانيةٍ لحزب الله، فجرى تتبّعه وتحليله، قبل أن تُنقل المعطيات إلى القيادة العسكرية التي سارعت إلى استخدام جميع الطائرات التي كانت معدّةً للهجوم على إيران لتفريغ الغضب الكامن جراء وقف النار، وذلك عبر ضرباتٍ جويةٍ كثيفةٍ ومدمّرةٍ استهدفت المواقع المشتبه بها خلال دقائق معدودة.
هذه الضربات لم تكن مجرّد ردٍّ تكتيكي، بل تحوّلت إلى لحظةٍ فاصلةٍ غيّرت مسار الأحداث، وأجهضت، من حيث لا يدري الكيان الصهيوني، سيناريو كان يمكن أن يقود إلى مواجهاتٍ لبنانيةٍ داخليةٍ واسعة كما حدث في 13 نيسان 1975. فلو انطلقت تلك التحركات، لكان لبنان أمام تكرارٍ لمشهدٍ دمويٍّ أكثر عنفاً مما شهده في أحداث 7 أيار 2008، لكن في ظروفٍ أكثر تعقيداً وخطورة، حيث لم تعد التوازنات كما كانت، ولا قدرة الأطراف على ضبط الشارع كما في السابق.
تشير تحليلاتٌ عديدة إلى أن البلاد كانت ستنزلق سريعاً نحو فوضى شاملة، تتخلّلها اغتيالاتٌ واشتباكاتٌ مناطقية، وانهيارٌ متسارعٌ لما تبقّى من مؤسساتٍ مدنيةٍ وعسكرية. حربٌ أهليةٌ جديدة، يعرف الجميع كيف تبدأ، لكن لا أحد يستطيع توقّع كيف تنتهي، ولا أيّ شكلٍ ستتّخذه، ولا حجم الكلفة التي ستخلّفها.
في النهاية، سواء أكان ما جرى تعبيراً عن تدخّلٍ إلهي في مسار التاريخ، أم نتيجةَ تلاقي ظروفٍ ومعطياتٍ بدت كأنها مصادفة، فإنّ الثابت أنّ هذا البلد، وعلى الرغم من الخسائر البشرية والمادية الجسيمة، قد نجا من مؤامرةٍ كادت أن تدمّر الحجر والبشر، وتقضي على أيّ أملٍ بمستقبلٍ ممكنٍ للبنان.